تدوينات يوم الصحفي المصري

في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، يشاركنا الصحفي أحمد مصطفى تدوينة تعبر عن رأيه ورؤيته بشأن القضايا التي يرى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة

في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، يشاركنا الصحفي أحمد مصطفى تدوينة تعبر عن رأيه ورؤيته بشأن القضايا التي يرى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة.. إليكم/ن نص التدوينة :لماذا يهرب القارئ من الصحافة؟

«لقد انهارت الثقة في الأخبار».. كانت تلك الإجابة أولى المعضلات التي كشفت عنها «insighTea»، منصة الذكاء الإخباري المعتمدة على تقنيات الـ AI، لتوضح من خلالها أن الهروب الجماعي للجمهور ليس زهدًا في المعرفة، بل نتيجة حتمية لتحول المواد الإخبارية إلى أداة مشوهة لم تعد تخدم الوعي أو الفهم البشري.

ولم تكن أزمة الثقة وحدها في الحسبان؛ إذ تقودنا المنصة إلى المُعضلة الثانية المتعلّقة بـ «التخمة المعلوماتية». فوفقًا لبحث نُشر في مجلة «Frontiers in Psychology» عام 2022، يتسبب العبء المعلوماتي الزائد في إحداث إنهاك إدراكي ومعرفي حاد؛ فالانتباه البشري له حدود يتولد عن تجاوزها شعور دائم بالتوتر، الإرهاق والقلق. والغريب أن هذا الإنهاك لا ينبع من قراءة الأخبار ذاتها، بل من ذلك الجهد الذهني الخفي الذي يسبقها؛ والمتمثل في حيرة اتخاذ القرار اليومي: ماذا نقرأ؟ وماذا نتجاهل؟ وما هو الموثوق أو المكرر؟

هذه التكلفة الفكرية المتراكمة تدفع الجماهير المصابة بالارتباك نحو اتخاذ «التجنب العمد» كاستراتيجية دفاعية عقلانية؛ حيث يتحول التأخر عن المتابعة إلى حاجز نفسي مهيب يُعزز العزوف بمرور الوقت. ورغم أن الأنظمة الإخبارية المعاصرة تصر على التعامل مع القارئ وكأنه يملك مخزونًا لا ينفد من الانتباه والقدرة على استدراك السياق لاحقًا، إلا أن الواقع يثبت أن الجمهور لم يعد يملك أيًا منهما.

الأزمة الثالثة؛ يصعب التعبير عنها وصياغتها، ولكنها قد تكون الأكثر ضررًا: لقد فقدت الأخبار الحديثة نسيجها الرابط. فأنت تقرأ عن قرار سياسي دون أن تفهم ما الذي أدى إليه. وترى عنوانًا رئيسًا عن حدث جيوسياسي دون أن تعرف ماذا حدث في الأسبوع الماضي. وتصادف أسماءً ومنظمات دون أن تكوّن أي فكرة عن كيفية ارتباطها ببعضها بعضًا. هذا ليس فشلاً في الاستيعاب والفهم من جانب القارئ. بل هو فشل هيكلي في الطريقة التي تُقدم بها الأخبار. فمعظم المنتجات الإخبارية لا تزال مصممة كما لو كان الفهم والاستيعاب مسؤولية القارئ، وليس مسؤولية النظام الإخباري.

إذن، لم تعد الصحافة قادرة على السير في فلك القوالب التقليدية لمدرسة الأمس؛ فأجيال اليوم والغد تملك سلوكًا مغايرًا تمامًا في تلقي الأخبار. ورغم أن الصحافة لا تزال محتفظة بتأثيرها البالغ في واقعنا، إلا أن وتيرة الحياة المتسارعة أجبرت الجمهور على البحث عن منصات أكثر سرعة في نقل المعلومة وصياغات رشيقة تتجاوز الهياكل الصحفية الجامدة والمعتادة.

وعلى عكس الماضي، صار الجمهور يُتابع الحروب والأحداث الكبرى في بث مباشر ولحظي، حتى أصبحت الأخبار من فرط تكرارها متوقعة ومألوفة. هذه التطورات المتسارعة أطلقت رصاصة الرحمة على الصحافة الورقية، وتدفع اليوم بالصحافة الإلكترونية التقليدية نحو مقصلة التغيير؛ فلم يعد لدى القارئ المعاصر متسع من الوقت أو الطاقة لتبديدهما في قراءة تقارير مطولة تتجاوز 500 كلمة دون جدوى. إننا لا نشهد موت الصحافة كفكرة، بل نشهد الفناء الحتمي للقوالب الإخبارية العقيمة التي تعتمد على حشو الكلمات وصيد النقرات، وولادة عصر جديد يتطلب قوالب رقمية ذكية، رشيقة وتخاطب وعي الإنسان لا فضوله اللحظي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى