التقارير الإعلاميةسلايدر رئيسي

معركة حرية الصحافة في مصر: من قانون المطبوعات إلى تأميم الصحافة (1881–1960)

تقرير: منى عبيد 

 

مثّلت الصحافة المصرية منذ نشأتها الحديثة، أحد أهم أدوات التعبير عن التحولات السياسية والاجتماعية في مصر، فلم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل مساحة لصياغة الوعي العام ومناقشة قضايا الوطن في مواجهة الاستبداد والاستعمار وتغيرات السلطة. ومن هنا ارتبط تاريخها ارتباطًا مباشرًا بتاريخ الحركة الوطنية المصرية، حيث لعبت دورًا محوريًا في دعم مطالب الاستقلال، وكشف السياسات العامة، والتأثير في الرأي العام.

لم يكن مسار حرية الصحافة مستقيمًا، بل خضع لتجاذب دائم بين منطق الحرية من جهة، ومنطق التنظيم والرقابة من جهة أخرى، عبر سلسلة من القوانين التي تراوحت بين ضبط المهنة وتقييدها، وانعكست هذه القوانين على طبيعة العمل الصحفي، وعلى مساحة النقد المتاحة، وعلى قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي.

ويستعرض التقرير المعارك التاريخية للصحافة    مع التشريعات المنظمة للعمل الصحفي أبرزها قوانين المطبوعات، منذ أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بمرحلة الاحتلال البريطاني والتحولات الدستورية، وصولًا إلى مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952، وانتهاءً بصدور قانون تنظيم الصحافة عام 1960 الذي شكل نقطة تحول جوهرية في بنية الإعلام المصري.

شهد مطلع القرن العشرين، واحدة من أبرز المواجهات بين المدافعين عن حرية الصحافة والسلطة، عندما أُعيد العمل بقانون المطبوعات عام 1909، وهو القرار الذي أثار غضب الصحفيين والوطنيين، الذين رأوا فيه تهديدًا مباشرًا لحرية الرأي والتعبير، في ظل تصاعد الحركة الوطنية المصرية ومقاومة النفوذ البريطاني، فأصبحت الصحافة منبرًا للدفاع عن حقوق المصريين والتعبير عن تطلعاتهم.

نشأة قانون المطبوعات 1881

 

تعود جذور الأزمة إلى 26 نوفمبر عام 1881 عندما أصدرت حكومة شريف باشا قانون المطبوعات رقم 2 لسنة 1881 في ظل تصاعد الحركة الوطنية المصرية والثورة العرابية التي قادها أحمد عرابي، واعتبر الوطنيون أن الهدف الحقيقي من القانون لم يكن تنظيم العمل الصحفي، بقدر ما كان فرض الرقابة على الصحف، التي ساندت الثورة العرابية ودافعت عن مطالبها، حتى إن أحمد عرابي وصفه بأنه محاولة لإيقاف الصحف الوطنية والقضاء على حرية الصحافة.

ومنحت مواد القانون الحكومة سلطات واسعة للسيطرة على المطبوعات، فأجازت مصادرة المنشورات والرسومات التي تُعد مخالفة للنظام العام أو الدين، كما اشترطت الحصول على إذن حكومي لإصدار الصحف السياسية والإدارية والدينية، وألزمت الصحف بنشر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية. ولهذا اعتبره الصحفيون أداة لتقييد حرية النشر وإخضاع الصحافة لرقابة السلطة.

وعندما تولى محمود سامي البارودي، رئاسة الوزارة، سعى إلى إلغاء القانون، وشكل لجنة لهذا الغرض، إلا أن تطورات الثورة العرابية والتدخل البريطاني حالت دون تنفيذ تلك الخطوة.

الصحافة المصرية في مواجهة الاحتلال

 

بعد فشل الثورة العرابية عام 1882 ووقوع مصر تحت الانتداب البريطاني، تعرضت الصحف الوطنية لحملة من التضييق والملاحقة أبرزها جريدة الأهرام،  بسبب مواقفها المؤيدة للحركة الوطنية، وأغُلقت بعض الصحف وعُطلت أخرى، بينما نُفي عدد من الرموز الوطنية المرتبطة بالحركة العرابية.

ومع مرور الوقت، تراجع تطبيق قانون المطبوعات تدريجيًا حتى توقف العمل به فعليًا منذ عام 1894، بموافقة من اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني آنذاك، ومع بداية وزارة نوبار باشا،  شهدت الصحافة المصرية ازدهارًا ملحوظًا، واتسع هامش الحرية نسبيًا.

ظهرت في هذه الفترة  صحف وطنية بارزة مثل «المؤيد» و«اللواء» و«الاستقلال» و«القطر المصري»، ولعبت دورًا هامًا في توعية الرأي العام، خاصة بعد حادثة دنشواي عام 1906، التي فضحت وكشفت ممارسات الاحتلال وانتقدت سياساته، الأمر الذي أثار قلق السلطات البريطانية.

معركة الصحافة مع قانون المطبوعات

 

مع تزايد تأثير الصحافة الوطنية، طالب اللورد جورست، المندوب البريطاني  في مصر آنذاك، من حكومة بطرس غالي،  إعادة  العمل بقانون المطبوعات، واستجابت الحكومة، فأصدرت في 25 مارس 1909 قرارًا بإعادة العمل بالقانون بحجة الحد من تجاوزات بعض الصحف.

مواد رفضها الصحفيين في قانون المطبوعات 1909

 

كانت من أكثر المواد التي أثارت اعتراض الصحفيين والحركة الوطنية، الذين رأوا فيها محاولة لإعادة فرض الرقابة على الأقلام الحرة وإسكات الأصوات المعارضة للاحتلال هي مواد “9، 10، 13”.

أعطت المادة “9” الحكومة حق حجز وضبط الرسومات والنقوش والمطبوعات إذا رأت أنها مخالفة للنظام العام أو الدين، واشترطت المادة “10”الحصول على إذن من الحكومة لإصدار الجرائد والدوريات التي تتناول الشؤون السياسية أو الإدارية أو الدينية، كما ألزمت المادة “13” الصحف بنشر التبليغات والبيانات الرسمية الصادرة من وزارة الداخلية في مكان بارز بالصحيفة.

المواد الثلاث من القانون، كانت محور الهجوم الرئيسي من جانب الصحفيين والوطنيين عام 1909، لأنها منحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في الترخيص والمصادرة والرقابة على المحتوى الصحفي، اعتبرها المعارضون، ومنهم محمد فريد، أدوات لتقييد حرية الصحافة وإسكات الصحف الوطنية المناهضة الاحتلال البريطاني.

نضال الصحفيين ضد عودة  قانون المطبوعات

 

وكان من أبرز المعارضين للقرار أحمد حلمي صاحب جريدة «القطر المصري»، وجد الفنان ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، وعبد العزيز جاويش، رئيس تحرير «اللواء»، ومحمد فريد، زعيم الحزب الوطني،  واستندت الحركة المناهضة للقانون، إلى الإرث الفكري الذي تركه مصطفى كامل في الدفاع عن حرية الصحافة وربطها بالنضال الوطني.

وكتب أحمد حلمي في جريدة «القطر المصري» أن إعادة العمل بالقانون تهدف إلى التضييق على الصحافة الوطنية التي أخذت تكشف أخطاء الاحتلال وسياساته. وعندما حاولت الحكومة تبرير القرار باعتباره وسيلة لتنظيم العمل الصحفي، رد حلمي مؤكدًا أن تقييد الحرية يبقى تقييدًا مهما اختلفت مبرراته.

رد بطرس غالي، رئيس الحكومة، لانتقادات «حلمي» على القانون في حوار مع جريدة

“البروجريه” إن الغرض من القانون ليس منع انتقاد الحكومة بصدق وحق. كلا، بل نحن نقابل الصحف التي تظهر للحكومة أخطاءها بالشكر والامتنان”، فكتب حلمي في العدد اللاحق يقول “ما هو الفرق بين التقييد بسلاسل من ذهب أو من حديد؟، أليس التقييد واحدًا على كل حال فهو المانع للترقي والعائق للتقدم”.

مظاهرة الشعبية ضد قانون المطبوعات عام  1909

 

لم يقتصر رفض القانون على المقالات والكتابات الصحفية، بل امتد إلى الشارع المصري من خلال المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، وتحولت قضية قانون المطبوعات إلى واحدة من أهم قضايا الرأي العام في مصر في بدايات القرن العشرين.

في يوم الجمعة 26 مارس 1909 بدأت المظاهرات الشعبية المناهضة لإعادة تفعيل العمل بالقانون، ونحج ” البوليس” في فضها، والقبض على مجموعة من المواطنين المشاركين والطلاب.

وفي يوم الأربعاء 31 مارس 1909 قاد أحمد حلمي ثاني المظاهرات الشعبية وأكبرها على الإطلاق، شارك فيها ما يزيد عن  25ألف مواطن، دفاعًا عن حرية الصحافة ورفضًا للقيود الحكومية على النشر، عكست هذه المظاهرة حجم الرفض الشعبي للقرار ومدى ارتباط قضية حرية الصحافة بالحركة الوطنية المصرية، وهي ذات المظاهرة التي قُبض فيها على أحمد حلمي.

واستمر الحراك الشعبي في الشارع، بعض القبض على المتظاهرين،  انطلقت في 1 إبريل 1909 ثالث تظاهرة رافضة للقانون ولملاحقة المشاركين في التظاهرات، لكنها فُضت بعد اشتباكات مع قوات الأمن، وقُبض على عدد كبير من المشاركين فيها وتم احتجازهم، وألقي القبض أيضًا على عدد من قادة الحركة الوطنية.

وخاض أحمد حلمي، قبل معركة عودة العمل بقانون المطبوعات عام 1881 سلسلة من المواجهات السياسية والصحفية، مع الدوائر المقربة من الخديوي، كاشفًا ما اعتبره مظاهر فساد داخل الأسرة الحاكمة، واتهمها ببيع الأوسمة والرتب للأعيان، كما دعا الجيش إلى الانخراط في الحركة الوطنية، الأمر الذي أثار غضب كل من سلطات الاحتلال والسلطة الخديوية، ودفعهما إلى ملاحقته قضائيًا عبر سلسلة من الدعاوى اتهمته بالعيب في الذات الخديوية.

محاكمة أحمد حلمي

 

أُحيل أحمد حلمي، بعد مظاهرة 31 مارس إلى المحاكمة، ووجهت إليه عدة اتهامات، من بينها إهانة المستشارين الإنجليز، واتهام الحكومة بالتنكيل بالدين نتيجة الاعتداء على طلاب الأزهر، بالإضافة إلى التحريض على كراهية الحكومة، واتهامها بتنفيذ سياسات تتفق مع رغبات الاحتلال البريطاني، ترافع عنه في هذه القضايا المحامي محمود أبو النصر، ثالث نقيب للمحامين بعد تأسيس النقابة 1911

انضمت إلى هذه القضايا،  قضية «العيب في الذات الخديوية»، وأصدرت المحكمة حكمًا بحبسه أربعة أشهر مع كفالة قدرها عشرة جنيهات، ثم صدر حكم آخر يقضي بحبسه ستة أشهر، مع تعطيل صحيفة «القطر المصري»، وعند نظر القضية استئنافيًا، أيدت المحكمة الحكم مع تشديد العقوبة إلى السجن سنة مع الشغل، ليصبح بذلك أول مصري يُدان بتهمة العيب في الذات الخديوية.

كما تعرض عبد العزيز جاويش وغيره من الصحفيين للملاحقة القانونية بموجب قانون المطبوعات، في محاولة لإسكات الأصوات المعارضة، وإضعاف الحركة الوطنية، ترافع عنهم في هذه القضية المحامي محمود أبو النصر، ثالث نقيب للمحامين بعد تأسيس النقابة عام 1911، وأفرج عنهم بعد أيام من الاحتجاز.

لم يُلغى القانون، ولكن أسفرت معركة الصحافة حينها، عن رفع مستوى الوعي بأهمية حرية الصحافة في المجتمع المصري، ورسخت فكرة أن الدفاع عن حرية الكلمة جزء لا يتجزأ من الدفاع عن الاستقلال الوطني. كما كشفت عن الدور الحيوي الذي لعبه الصحفيون في مقاومة الاحتلال والدفاع عن حقوق المواطنين.

إرهاصات ثورة 1919 وأوضاع الصحافة

 

استمر الحراك الصحفي والشعبي خلال السنوات العشر التالية، وخاصة بعد ثورة 1919 وصدور دستور 1923، وهي الفترة التي  شهدت الصحافة المصرية ازدهارًا ملحوظًا واتسع هامش حرية التعبير نسبيًا، وظهرت صحف حزبية ومستقلة ذات تأثير كبير في توجيه الرأي العام، وأصبح للصحفيين دور بارز في الحياة السياسية. إلا أن هذا التوسع دفع الحكومات المتعاقبة إلى البحث عن وسائل قانونية للحد من نفوذ الصحافة كلما اشتدت المعارضة السياسية.

وفي 18 يونيو 1931 صدر قانون المطبوعات رقم 98 لسنة 1931 في عهد حكومة إسماعيل صدقي، التي كانت تتبنى سياسة تقوم على تشديد الرقابة على النشاط السياسي والصحفي، وفي ظل العمل بدستور 1930 الذي منح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع وأثار اعتراضات واسعة من القوى السياسية.⁠

فرض القانون قيودًا صارمة على إصدار الصحف وإدارتها، اعترض عليها الصحفيون، ومنح الإدارة سلطات واسعة في الرقابة، والتعطيل والمصادرة، كما فرض شروطًا مالية وإدارية اعتبرها الصحفيون عقبات أمام حرية إصدار الصحف واستمرارها.

من أبرز هذه المواد التي اعترض عليها الصحفيين، المادة “3” الخاصة بإجراءات الترخيص والجهات المختصة بالنظر في طلبات إصدار الصحف، وكذلك المادة “6” المتعلقة بإيداع الكفالة المالية وشروطها بحسب نوع الصحيفة ودوريتها.

كما اعترض الصحفيون، المادة “10” المتعلقة بشروط ممارسة الإصدار، ومنها الالتزامات الفنية والتنظيمية التي فُسِّر منها اشتراط وجود مطبعة، والمادة “15” الخاصة بوقف الصحف أو تعطيلها ومصادرة الأعداد في بعض الحالات، وترتبط بها أيضًا تنظيم الجزاءات في المادة “16” في بعض الصيغ التشريعية المتداولة.

ارتبط  اسم الصحفي عبد القادر حمزة، رئيس تحرير جريدة البلاغ، بشكل عام بمقاومة التشريعات التي منحت الحكومة سلطات واسعة على الصحف خلال هذه الفترة، بل وهاجم خلال رئاسته تحرير جريدة «البلاغ»، حكومة إسماعيل صدقي، بسبب إلغاء دستور 1923 وإصدار دستور 1930 وتشديد القيود على الصحافة وجرائم النشر في قانون المطبوعات عام 1931، وكان من أبرز الأصوات المطالبة بحماية استقلال الصحف من التدخل الحكومي.

مقدمات إصدار قانون المطبوعات 1936

 

تحولت  السنوات بين 1931 و1935 إلى واحدة من أكثر الفترات توترًا في تاريخ الصحافة المصرية، حيث خاض الصحفيون معارك متواصلة ضد القانون وعدّوه اعتداءً على الضمانات الدستورية لحرية الرأي والنشر. ⁠

الطريق إلى إلغاء قانون 1931

 

بحلول عام 1935، شهدت مصر تغيرات سياسية مهمة، تمثلت في تصاعد الحركة الوطنية والطلابية، المطالبة بعودة دستور 1923، وإنهاء السياسات المقيدة للحريات العامة، وفي الوقت نفسه بدأت المفاوضات المصرية البريطانية التي انتهت لاحقًا بإبرام معاهدة 1936.

ومع تزايد الضغوط السياسية والصحفية، أصبحت القوانين الصادرة في عهد إسماعيل صدقي، وعلى رأسها قانون المطبوعات رقم 98 لسنة 1931، محل انتقاد واسع، وطالبت صحف وأحزاب بإلغائه باعتباره رمزًا لمرحلة التضييق على الحريات العامة، بالفعل نجحت مساعيهم في إلغاء القانون بعد 5 سنوات وإصدار قانون المطبوعات عام 1936 الذي اعتبره بعض الساسة أقل تشددًا من قانون 1931.

قانون المطبوعات 1936

 

في 27 فبراير 1936 أصدرت حكومة علي ماهر، قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936، ونُشر في الجريدة الرسمية في 2 مارس 1936، ودخل حيز التنفيذ،  بهدف إعادة تنظيم شؤون المطبوعات والجرائد بعد سنوات من الجدل حول قانون 1931.

وأوضحت المذكرة الإيضاحية للقانون، أن إعادة النظر في قانون 1931 جاءت بعد صدور المرسوم بقانون رقم 28 لسنة 1935 المعدل لبعض أحكام قانون العقوبات، وتحديدًا تعديل المادة رقم “168” التي كانت تجيز إلغاء الصحيفة أو تعطيلها في حالات الإدانة الجنائية المتعلقة بالنشر، وأن الهدف كان تحقيق التوافق بين التشريعين مع تخفيف بعض القيود التي تضمنها قانون 1931.

كما أشارت المذكرة إلى إلغاء بعض الأحكام، التي أثارت اعتراضات واسعة من الجماعة الصحفية، أبرزها اشتراط امتلاك بعض الصحف مطابع خاصة، وإلغاء عقوبة إغلاق الجريدة نهائيًا، واستبدال بعض الضمانات المالية بوسائل أقل تشددًا، وخففت بعض الأحكام المتعلقة بالكفالات والعقوبات،إلا أن القانون لم ينهِ الجدل بشكل كامل.

في المقابل؛ فرض القانون شروطًا تتعلق بترخيص الصحف وتحديد المسؤولين عنها، وإجراءات الإخطار والإيداع، وهو ما اعتبره بعض الصحفيين عبئًا إداريًا يمنح الحكومة أدوات إضافية للتدخل في العمل الصحفي.

 

 

واعترض الصحفيون على عدد من مواد التشريع الجديد، من بينها  المادة “9” التي نصت على إمكانية منع تداول بعض المطبوعات الواردة من الخارج، بينما منحت المادة “10” مجلس الوزراء سلطة منع تداول المطبوعات، التي ترى أنها تمس النظام العام أو الآداب العامة.

كما أثارت المواد من 11 إلى 14 المتعلقة بشروط إصدار الصحف وإدارتها اعتراضات من بعض الصحفيين، الذين رأوا أنها أبقت على قيود إدارية تحد من حرية العمل الصحفي.

كما المادة “22”  أثارت جدلًا واسعًا، ولاسيما أنها  أجازت تعطيل بعض الصحف الصادرة في مصر بقرار من مجلس الوزراء في حالات معينة ولمدد قد تصل إلى عدة أشهر. واعتبر المعارضون أن هذه السلطة تمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرار الصحف واستقلالها.

كما اعترض الصحفيون على المادة (26)  التي تضمنت عقوبات بالحبس والغرامة على عدد من المخالفات المرتبطة بالصحف والمطبوعات، معتبرين هذه المادة  وسيلة للضغط على الصحفيين وإرهابهم مهنيًا.

وأجازت المادة “31” من القانون، ضبط المطبوعات أو أعداد الصحف إداريًا عند مخالفة عدد من أحكام القانون، كما سمحت بمصادرتها بحكم قضائي. ورأى الصحفيون أن مجرد منح الإدارة حق الضبط قبل صدور الأحكام قد يؤدي إلى تعطيل الصحف عمليًا والإضرار بحرية النشر.

كان الكاتب الصحفي  محمد التابعي المُلقب بـ«أمير الصحافة»  أحد أبرز الأصوات الصحفية المناهضة للقيود المفروضة على حرية النشر خلال الثلاثينيات سواء في قانون المطبوعات عام 1931 أو قانون عام 1936، لم يقتصر دوره على كتابة المقالات الناقدة، بل استخدم روزاليوسف ومن بعدها آخر ساعة التي ترأس تحريرها، منبرًا  للدفاع عن حق الصحافة في الرقابة على السلطة وكشف القضايا السياسية.

انضم «التابعي» إلى تيار صحفي واسع رأى أن القانون يمنح الحكومة سلطة تعطيل الصحف ومصادرة المطبوعات وملاحقة الصحفيين جنائيًا. ومع صدور قانون 1936 استمر موقفه الرافض للمواد التي أبقت على صلاحيات الإدارة في وقف الصحف أو تقييد تداولها، وارتبط اسمه بالدفاع المستمر عن توسيع هامش حرية الرأي والتعبير

وأما محمود أبو الفتح، مؤسسة جريدة المصري، وأول نقيب للصحفيين،  من بين الأسماء التي انحازت مبكرًا إلى الدفاع عن استقلال الصحف، في هذه الفترة، الذي كان يرى أن الصحافة يجب أن تتمتع باستقلال حقيقي عن السلطة التنفيذية، فانتقد التشريعات التي تسمح للحكومة بإغلاق الصحف أو تعطيلها إداريًا، لعب لاحقًا دورًا بارزًا في تنظيم المهنة والدفاع عن حقوق الصحفيين، وأصبح من الشخصيات الرئيسية في الحركة النقابية الصحفية المصرية.

 

معاهدة 1936  ورفض الصحافة للاحتلال

 

عقب المعاهدة المصرية البريطانية 1936 شهدت الصحافة المصرية ازدهارًا ملحوظًا، وأصبحت أحد أهم ميادين الصراع السياسي بين الأحزاب المختلفة، برزت دور صحف مثل «الأهرام» و«البلاغ» و«السياسة» و«المصري»، كما لعبت مجلة «روز اليوسف» دورًا بارزًا في النقد السياسي.

تعرضت هذه الصحف لقيود حكومية متكررة، ورغم اتساع هامش الحرية نسبيًا، خاصة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، حيث فُرضت الرقابة على النشر وتم تعطيل بعض الصحف أو مصادرة أعداد منها لأسباب سياسية أو أمنية.

ثورة يوليو1952 وتأثيرها على الصحافة

 

أحدثت ثورة 23 يوليو 1952 تحولًا كبيرًا في بنية الصحافة المصرية، ففي البداية أيدت صحف عديدة الثورة، ومنها الأخبار وأخبار اليوم والأهرام، إلا أن العلاقة بين السلطة الجديدة والصحافة أخذت تتجه نحو مزيد من الرقابة والتنظيم.

ومع قرار حل الأحزاب السياسية سنة 1953 فقدت صحف حزبية عديدة مبرر وجودها، مثل صحيفة «المصري» الوفدية وصحف الأحزاب الأخرى مثل «الأساس، الاشتراكية»  مما أدى إلى تقلص التعددية السياسية داخل المجال الصحفي.

مرحلة إحكام السيطرة على الصحافة

 

بعد أزمة مارس 1954، حول شكل نظام الحكم، اتجهت الدولة إلى إحكام الرقابة على الصحف، واستمرت مؤسسات مثل :«الأهرام والأخبار وأخبار اليوم وروز اليوسف، ودار الهلال» في الصدور، لكنها أصبحت تعمل في إطار سياسي أكثر انضباطًا واتساقًا مع توجهات السلطة الجديدة.

وفي هذه المرحلة تراجع تأثير الصحف الحزبية القديمة « الأساس»، «البلاغ» و« الاشتراكية» بينما ازدادت أهمية المؤسسات الصحفية الكبرى القادرة على التكيف مع المتغيرات السياسية.

الصحافة  ما بعد دستور 1956

 

بعد صدور دستور 1956 وتعزيز سلطة الدولة، أصبحت الصحف الكبرى شريكًا رئيسيًا في دعم السياسات الرسمية. وخلال هذه الفترة توسع نفوذ مؤسسات مثل الأهرام بقيادة محمد حسنين هيكل، إلى جانب مؤسستي الأخبار وأخبار اليوم، بقيادة مصطفى وعلي أمين.

قانون تأميم الصحافة 1960

 

جاء  يوم 24 مايو 1960 الذي شكل نقطة تحول بارزة في تاريخ الصحافة المصرية،  مع صدور قانون «تنظيم الصحافة» رقم 156 لسنة 1960 أو ما عرف بقانون «تأميم الصحافة» الذي نقل ملكية المؤسسات الصحفية الكبرى إلى الاتحاد القومي، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا امتد لعقود بين من اعتبرها ضرورة لإنقاذ الصحافة من أزماتها المالية، ومن رأى فيها بداية لهيمنة الدولة على وسائل الإعلام.

وجاء القانون في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر خلال عهد الرئيس جمال عبدالناصر، والتي اتسمت بتوسيع دور الدولة في إدارة القطاعات الحيوية. وشمل القرار المؤسسات الصحفية الكبرى، وفي مقدمتها «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» و«دار الهلال» و«روزاليوسف»، لتدخل الصحافة المصرية مرحلة جديدة من تاريخها.

وكان الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، من أوائل المؤيدين لفكرة نقل ملكية الصحف من الأفراد إلى المجتمع، انطلاقًا من قناعته بالفكر الاشتراكي، فضلًا عن الأزمات المالية التي كانت تواجه بعض المؤسسات الصحفية آنذاك.

يقول عبد القدوس في مذكراته التي كتبتها الكاتبة الصحفية نعم الباز: «فى إبريل 1958 ماتت أمى، وتصدعت كل أحلامى، وأحسست تماما بأننى منهار، وبدأت أفكر فى تأميم الصحافة كعملية إنقاذ لدار روز اليوسف، وخصوصًا أن هذا الحل كان لا يمكن تنفيذه فى حياة أمى”.

يضيف:«كانت روز  لا يمكن أن تترك المجلة أبدًا للحكومة، فلقد كانت هى أسرتها وهى منزلها.. وكنت كلما كتبت قصة أبيعها للحكومة وأضم ثمنها فى روز اليوسف، ثم أسست شركة بينى وبين أختى وزوجها كى نبنى دارا للطباعة، وكل هذا ولا فائدة، وكتبت مقالا قلت فيه: لماذا لا تؤمم الصحافة؟.. وقد أممنا كل شىء تقريبًا، ولجأت إلى هذا بعد أن أرهقتنى الرقابة أيضًا».

مقال إحسان عبد القدوس وقرار تأميم الصحافة

 

يضيف عبد القدوس: «كتبت مقالاً تساءلت فيه لماذا لا تؤمم الصحف تصبح تابعة للاتحاد الاشتراكى، وقرأ عبدالناصر المقال فى إبريل 1960، وأخذ منه أربعة سطور بالنص، وأصدر بها قانون تنظيم الصحافة، واتصل بى عبدالقادر حاتم، الذي عُين وزير للإرشاد القومي بعد ٤ أشهر من إصدار القانون وقال: الرئيس أخذ من مقالك وأمم الصحافة، وأنت ستصبح رئيس إدارة روز اليوسف، وكنت رئيس مجلس الإدارة الوحيد الذى عُين من أصحاب الصحف التى دخلت فى قرار التأميم، وأنا أعتبر أن روزاليوسف استفادت من تأميم الصحافة، ولولا التأميم كانت لأفلست المؤسسة».

قال الكاتب الصحفي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، إن الكاتب الصحفي الكبير محمد حسين هيكل، رئيس تحرير جريدة الأهرام في ذلك الوقت، كان لديه بعض التحفظات على قانون تنظيم الصحافة، وحاور الرئيس جمال عبدالناصر فى مناسبات عديدة، حول تطور مهنة الصحافة، والأوضاع التى تثير قلقه.

وأضاف أن «هيكل»  كتب: «لم أكن مصرًّا على استمرار الملكية الفردية للصحف، ولكنى كنت مشفقًا على المهنة من التأميم، وأن ملكية الأفراد قد تكون أهون شرًا من ملكية الحكومة للصحف، وأن الصحيفة بتأثيرها قد تكون قوة ضاربة ضخمة، لكنها فى تكوينها الداخلى مخلوق هش وشديد الحساسية، فهى بالدرجة الأولى إحساس بمناخ.. الإحساس بالمناخ يملؤها بالثقة فى قدرتها على ممارسة رسالتها أو يملؤها بالوساوس التى تأخذ منها قدرتها على ممارسة دورها».

الملكية التعاونية للصحف

 

وأضاف « قلاش» أن الأستاذ «هيكل»  اقترح  على الرئيس جمال عبدالناصر فى سنواته الأخيرة، فكرة الملكية التعاونية للصحف على غرار تجربة «الموند»، وعندما حانت الفرصة ووضع تصوره فى مشروع متكامل، جاء من عطل وعرقل لصالح الإبقاء على «صحافة النظام» و ليس «صحافة الشعب»!

طرح «هيكل»  مخاوفه من القانون على «عبد الناصر» ، فطلب منه الرئيس وضع أى ضمانات يريدها للمهنة، واتفقا على لقاء يجمعهما، وخلال اللقاء، حاول استبعاد منطق التأميم بحدوده القاطعة ووصلوا إلى صيغة أخرى تسمح بمرونة، وهكذا كانت «تنظيم الصحافة» «وليس تأميمها».

يقول: «حاولت أن أجعل الملكية مشتركة بين التنظيم السياسى وبين جمعية العاملين فى كل دار صحفية %50 لكل فريق، ولم يقبل عبدالناصر وخرج باقتراح وسط، وهو انتقال الملكية إلى التنظيم السياسى وليس إلى الدولة واحتفاظ كل صحيفة بأرباحها داخلها، ثم توزيع هذه الأرباح مناصفة:نصف للتجديد والإحلال فى دور الصحف، ونصف لجمعية العاملين فى كل دار صحفية.

يضيف هيكل:”  اعترضت على المذكرة التفصيلية للقانون، وأشهد أن جمال عبدالناصر كان صبورا قال لى: «اكتب أنت واحدة غيرها»، وكتبت مذكرة كانت فى الواقع إعلانا بتأكيد حرية الصحافة، أكثر منها مذكرة تفسيرية لنصوص القانون.

لقاء عبد الناصر مع قيادات الصحف بعد قرار التأميم

 

وعقب صدور القانون بأيام ، وتحديدًا  في يوم 28 مايو1960 عقد الرئيس جمال عبدالناصر لقاءات، مع رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية ورؤساء التحرير، شدد خلالها على أهمية أن تكون الصحافة معبرة عن قضايا المجتمع الحقيقية، خصوصًا قضايا الفئات الشعبية والريف المصري، وأن تؤدي دورًا تنمويًا وثقافيًا يتجاوز الاهتمام بالأخبار الاجتماعية والهامشية.

أوضح «عبد الناصر» خلال اللقاءات أن الهدف ليس السيطرة على مباني أو مظاهر شكلية، وإنما بناء مجتمع اشتراكي يقوم على التحرر من الاستغلال. ورفض أن تُختزل صورة الوطن في حياة المدن والنوادي والسهرات، مؤكدًا أن مصر الحقيقية تتمثل في القرى والريف حيث يعيش العمال والفلاحون ويواجهون مشكلات معيشية يومية. وانتقد الاهتمام بالأخبار الاجتماعية السطحية، داعيًا إلى توجيه الاهتمام نحو واقع الناس وقضاياهم الأساسية، على أن تكون الصحافة معبرة عن المجتمع وأداة لخدمته.

ظل القانون محل انتقادات، من جانب عدد من الباحثين والمؤرخين، الذين رأوا أن نقل ملكية الصحف إلى الدولة أو إلى المؤسسات التابعة لها أدى إلى تراجع استقلالية الصحافة، وتحولها تدريجيًا إلى أداة داعمة للسياسات الرسمية، بما حدّ من تعددية الآراء واتساع مساحة النقد.

يبقى قانون تنظيم الصحافة لعام 1960 أحد أكثر التشريعات، تأثيرًا في تاريخ الصحافة  المصرية الحديث، رأى مؤيدوه أنه أنقذ المؤسسات الصحفية من الانهيار المالي وحافظ على دورها التثقيفي والتنويري، بينما  معارضوه راؤا  أنه أسهم في تكريس تبعية الصحافة للسلطة السياسية.

لم تكن معركة الصحفيين المصريين ضد ما عُرف لاحقًا بـ«قانون اغتيال الصحافة» رقم 93 لسنة 1995 سوى حلقة واحدة في سلسلة طويلة من المواجهات بين الجماعة الصحفية والتشريعات التي رأت فيها تهديدًا لحرية الرأي والنشر.

ويكشف المسار التاريخي لمعارك التشريعات الصحفية، أن الصحافة لم تكن يومًا مجرد متلقٍ للقوانين المنظمة لعملها، بل كانت طرفًا فاعلًا في النقاش العام حولها، بل خاض الصحفيون عبر أجيال متعاقبة معارك قانونية ومهنية ونقابية للدفاع عن استقلال المهنة وحق المجتمع في المعرفة. ولذلك فإن قانون 93 لسنة 1995 ونجاح الجماعة الصحفية في إسقاطه، لا يمثل بداية هذا النضال ولا نهايته، وإنما يندرج ضمن تاريخ ممتد من السجال بين السلطة والصحافة حول حدود التنظيم وضمانات الحرية، وهو تاريخ ما زالت فصوله تتجدد مع كل نقاش يتعلق بمستقبل الإعلام وحرية التعبير في مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى