التقارير الإعلاميةسلايدر رئيسي

حين توحّد الصحفيون.. قصة معركة قانون 93 التي أعادت تعريف حرية الصحافة في مصر

  • حين توحّد الصحفيون.. قصة معركة قانون 93 التي أعادت تعريف حرية الصحافة في مصر

  • «الصحافة لا تُدفن سرًا».. ذاكرة معركة قانون 93 التي أعادت تعريف حرية الصحافة في مصر

في صباح السابع والعشرين من مايو 1995، كانت الحياة تمضي داخل المؤسسات الصحفية المصرية بإيقاعها المُعتاد؛ اجتماعات التحرير الصباحية تنعقد في الصحف القومية والحزبية، استعدادًا لإصدار عدد اليوم التالي أو الطبعات المسائية، وأعداد النسخ المطبوعة تواصل ارتفاعها، فيما يعلو هدير ماكينات الطباعة في المطابع، وتملأ أصوات بائعي الصحف الشوارع، وهم يرددون: «أخبار.. أهرام.. جمهورية»، كانت تلك الفترة تُعد – وفق شهادات كثيرين – واحدة من مراحل ازدهار الصحافة المصرية وانتعاشها.
لكن بينما كان الصحفيون منخرطين في أداء عملهم اليومي، جاء ما غيّر المشهد بأكمله؛ إذ صدر القانون رقم 93 لسنة 1995، الذي أجاز حبس الصحفيين احتياطيًا في قضايا النشر، ولم يمر القانون بهدوء داخل الوسط الصحفي، بل قوبل برفض واسع واعتُبر انتهاكًا واضحًا وصريحًا لحرية الصحافة، ليحمل منذ لحظة صدوره العديد من الأوصاف التي عكست حجم الغضب منه، من بينها «القانون المشؤوم» و«قانون تكميم الصحافة».

ورأى كثيرون أن القانون لم يكن سوى أداة لحماية أشخاص بعينهم في قمة هرم السُلطة، بينما وصفه الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل بأنه «يعبّر عن سُلطة شاخت على مقاعدها»، ومنذ ذلك اليوم بدأت واحدة من أبرز محطات النضال المهني في تاريخ الصحافة المصرية؛ إذ توحّد الصحفيون على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية، يمينًا ويسارًا، خلف قضية واحدة، ولغة واحدة، وهدف واحد، تمثّل في الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة المهنة، وخوض معركة متواصلة من أجل إسقاط ذلك القانون، الذي اعتبروه تهديدًا مباشرًا لحقهم في الكتابة والنشر والتعبير.

وانطلاقًا من إيمانه بأهمية حفظ الذاكرة المهنية للصحافة المصرية، حرص المرصد المصري للصحافة والإعلام، على توثيق واحدة من أبرز معارك الدفاع عن حرية الصحافة في تاريخ المهنة، وهي معركة مواجهة القانون رقم 93 لسنة 1995.
وفي سبيل ذلك، أجرى المرصد سلسلة من المقابلات والشهادات الخاصة مع عدد من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين آنذاك، الذين عايشوا تلك المرحلة وشاركوا في إدارة المواجهة، إلى جانب ُنخبة من الكُتّاب والصحفيين الذين كانوا في قلب الأحداث، وأسهموا في الحِراك الرافض للقانون، ومن خلال هذه الشهادات، يسعى التقرير إلى استعادة تفاصيل تلك اللحظات الفارقة، ورصد أشكال المقاومة المهنية والنقابية، التي خاضها الصحفيون دفاعًا عن حرية التعبير، وحق المجتمع في صحافة مستقلّة، مُستندًا إلى روايات من صنعوا هذه التجربة، وكانوا شهودًا عليها.

يحيى قلاش: لم نكن نواجه قانونًا فقط بل كنا ندافع عن حرية الصحافة

استعاد الكاتب الصحفي يحيى قلاش، الذي كان عضوًا بمجلس نقابة الصحفيين وقت اندلاع الأزمة، تفاصيل واحدة من أهم المحطات في تاريخ النقابة والحركة الصحفية المصرية، وهي معركة مواجهة القانون رقم 93 لسنة 1995، وخلال حديثه للمرصد المصري للصحافة والإعلام، أكد أن هذه المواجهة لم تكن مجرّد معركة مهنية تخص الصحفيين وحدهم، بل كانت في جوهرها معركة للدفاع عن حرية الصحافة وحرية التعبير، باعتبارهما حقًا للمجتمع بأسره، قبل أن يكونا حقًا للعاملين في المهنة.

وفي ذاكرته، لم يكن الانتصار في تلك المعركة ممكنًا، لولا حالة التماسك الاستثنائية التي جمعت بين مجلس النقابة والجمعية العمومية للصحفيين، في لحظة فارقة تجاوزت فيها الجماعة الصحفية خلافاتها وتبايناتها الفكرية والمهنية، لتلتف حول هدف واحد وقضية مُشتركة، مشيرًا إلى أن تلك الحالة من الوحدة والتضامن كانت أحد أهم عوامل الصمود في مواجهة القانون، وأسهمت في تحويل المعركة إلى قضية رأي عام، تتجاوز حدود النقابة إلى المجال العام بأكمله.

وبدأ «قلاش» روايته من اللحظة التي أقرّ فيها مجلس الشعب آنذاك تعديلات على قانون العقوبات، تضمّنت تشديد العقوبات المفروضة على الصحفيين في قضايا النشر، سواءً من خلال عقوبات الحبس أو الغرامات، وهو ما اعتبره كثيرون وقتها، تهديدًا مباشرًا للعمل الصحفي، وللهامش المتاح من الحريات العامة، ولم يتوقف الغضب عند مضمون التعديلات وحده، بل ازداد حِدة بسبب الطريقة التي صدر بها القانون؛ إذ أُقر خلال جلسة مسائية، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الرفض والاستياء داخل الوسط الصحفي، ودفع الصحفيين إلى إدراك أنهم باتوا أمام معركة حقيقية، تتعلّق بمستقبل مهنتهم، وبمستقبل حرية التعبير في مصر.

وفي خضم محاولات الجماعة الصحفية استيعاب تداعيات القانون الجديد، وما يحمله من تهديدات مباشرة لحرية العمل الصحفي، جاءت الأزمة متزامنة مع الاحتفال السنوي بيوم الإعلاميين، لتجد النقابة نفسها أمام اختبار حقيقي، يتطلّب موقفًا واضحًا وحاسمًا.

واستعاد يحيى قلاش تفاصيل تلك اللحظة، موضحًا أن نقيب الصحفيين آنذاك، إبراهيم نافع، كان خارج البلاد، وهو ما دفع أعضاء مجلس النقابة إلى الاتفاق مع وكيل النقابة الأول الراحل جلال عيسى، على أن يُلقي كلمة النقابة خلال الاحتفال الرسمي، بحضور الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ولم تكن الكلمة مجرّد خطابًا بروتوكوليًا، بل حملت موقفًا صريحًا ومباشرًا من النقابة، تضمّن مُطالبة واضحة للرئيس، بعدم التصديق على القانون ،وإعادته إلى البرلمان لإعادة النظر فيه.

وأكد «قلاش» أن قبول جلال عيسى لهذه المهمة، والتزامه بإيصال موقف النقابة أمام رئيس الجمهورية، مثّل موقفًا فارقًا ومشهودًا في تاريخ النقابة، عكس حجم المسؤولية التي تحمّلها قادة العمل النقابي في تلك اللحظة الدقيقة.

غير أن الرد الذي جاء من الرئيس مبارك كان حاسمًا ومخيبًا لآمال الصحفيين في الوقت نفسه؛ إذ أكد أن القانون قد صدر بالفعل، وأصبح واجب النفاذ، وهو ما أغلق الباب أمام أي آمال في احتواء الأزمة عبر هذا المسار.

ومن وجهة نظر «قلاش»، شكّل هذا الرد نقطة تحوّل مهمة في مسار المواجهة؛ إذ نقل الأزمة من مرحلة الاعتراض والالتماس، إلى مستوى أكثر تصعيدًا، ورسّخ لدى الجماعة الصحفية قناعة بأن المعركة الحقيقية قد بدأت، وأن الدفاع عن حرية الصحافة بات يتطلّب تحرّكًا أوسع وأكثر تنظيمًا في مواجهة القانون.

ومنذ تلك اللحظة، دخلت الأزمة مرحلة جديدة، اتسَمت بقدر أكبر من التنظيم والتصعيد النقابي؛ حيث استعاد يحيى قلاش تفاصيل هذه المرحلة، موضحًا أن مجلس نقابة الصحفيين والجمعية العمومية تحرّكا سريعًا لعقد اجتماع موسّع، خُصص لوضع خطة واضحة لمواجهة القانون والتعامل مع تداعياته.

وبحسب «قلاش» تولّى وكيل النقابة الثاني محمد عبدالقدوس إدارة جانب من هذا الاجتماع، الذي شهد مناقشات واسعة حول طبيعة التحرّك المطلوب، والآليات التي يمكن من خلالها التعبير عن رفض الجماعة الصحفية للتعديلات الجديدة.

وانتهى الاجتماع إلى توافق واسع على اتخاذ خطوات تصعيدية مُنظّمة، كان أبرزها الدعوة إلى عقد مؤتمر عام للصحفيين، يتبعه انعقاد جمعية عمومية طارئة؛ بهدف توحيد الموقف المهني، وإرسال رسالة واضحة بشأن رفض القانون، وبالفعل انعقد المؤتمر العام برئاسة جلال عيسى، وشهد حضورًا واسعًا من الصحفيين، الذين أعلنوا خلاله موقفهم الجماعي الرافض للتعديلات التي أُدخلت على قانون العقوبات، مؤكدين تمسّكهم بحرية الصحافة، ورفضهم لأي تشريعات من شأنها تقييد العمل الصحفي أو تهديد حرية التعبير.

وأشار «قلاش» إلى أن المؤتمر لم يكن سوى خطوة على طريق مواجهة أكبر كانت تتشكّل ملامحها سريعًا؛ إذ بدأت عقب انتهائه الاستعدادات لما يعتبره المحطة الأهم والأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة بأكملها، وهي الجمعية العمومية التاريخية التي انعقدت في العاشر من يونيو، والتي تحوّلت لاحقًا إلى واحدة من أبرز المحطات النضالية في تاريخ نقابة الصحفيين المصرية.
واستعاد الكاتب الصحفي يحيى قلاش ذكرى العاشر من يونيو، بوصفها واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخ العمل النقابي والصحفي في مصر، مُعتبرًا أن ذلك اليوم لم يكن مجرّد محطة احتجاجية عابرة، بل لحظة استثنائية كشفت عن قدرة الجماعة الصحفية على تجاوز خلافاتها، والتوحّد دفاعًا عن قضية اعتبرتها مصيرية؛ فبحسب روايته، شهد ذلك اليوم اصطفافًا كاملًا بين الجمعية العمومية ومجلس نقابة الصحفيين، تراجعت فيه كل الخلافات والانقسامات الفكرية، والمهنية، والتنظيمية، التي كانت تميّز أحيانًا العلاقة بين التيارات والاتجاهات المختلفة داخل الوسط الصحفي.

وأكد «قلاش» أن الصحفيين، على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، اجتمعوا آنذاك حول موقف واحد ورؤية واحدة، فلم يكن هناك سوى صوت واحد يتردد داخل أروقة النقابة، ولغة واحدة يتحدّث بها الجميع، ومطلب واحد يلتفون حوله، تمثّل في الدفاع عن حرية الصحافة، والتصدي للقانون الذي رأوا فيه تهديدًا مباشرًا للمهنة، واعتداءً على حرية التعبير.

وقد عكست هذه الحالة من التوافق، حجم الشعور بالخطر الذي أحاط بالوسط الصحفي في ذلك الوقت، كما عكست إدراكًا جماعيًا بأن المعركة المطروحة لم تكن تخص فِئة بعينها، وإنما تتعلّق بمستقبل الصحافة، وحق المجتمع في المعرفة والتعبير.

ورأى «قلاش» أن هذه الحالة الاستثنائية من التماسك والتضامن بين مجلس النقابة والجمعية العمومية، كانت العامل الأبرز، الذي منح العمومية المُنعقدة في ذلك اليوم مكانتها الخاصة في تاريخ النقابة؛ فبفضل هذا التوافق غير المسبوق، تحوّلت الجمعية العمومية إلى محطة مفصلية في سجل نضال الصحفيين المصريين، ورسّخت مكانتها، باعتبارها واحدة من أبرز المحطات النقابية في تاريخ المهنة، كما أصبحت نموذجًا نادرًا لوحدة الجماعة الصحفية، حول قضية مهنية ووطنية جامعة، استطاعت أن تتجاوز كل الاعتبارات الأخرى لصالح الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة المهنة.

وخلال استعادته لأحداث تلك المرحلة، توقف يحيى قلاش عند واحدة من المحطات التي يراها شديدة الأهمية في مسار المواجهة، والمتعلّقة بالدور الذي لعبه الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في دعم معركة الصحفيين ضد القانون، مؤكدًا أن الجماعة الصحفية كانت تدرك آنذاك ثُقل «هيكل» المهني والسياسي، وما يمكن أن يمثّله موقفه من إضافة نوعية للمعركة الدائرة، لذلك بادر – قبل انعقاد الجمعية العمومية – إلى إرسال رسالة إليه عبر جهاز الفاكس الخاص بنقابة الصحفيين، طلب فيها أن يوجّه كلمة إلى الصحفيين المشاركين في العمومية المُرتقبة.

وأضاف «قلاش» أن الرد جاء سريعًا؛ إذ لم تمضِ فترة طويلة على إرسال الرسالة، حتى تلقّى دعوة للقاء «هيكل»؛ حيث عُقد اللقاء بحضور الكاتب الصحفي الكبير جلال عارف، ودار نقاش حول تطوّرات الأزمة، والموقف الذي اتخذته الجماعة الصحفية في مواجهة القانون، وخلال هذا الاجتماع، أبلغهم «هيكل» بأنه قرر قطع إجازته والعودة إلى القاهرة، لمتابعة الأحداث عن قُرب، في إشارة عكست حجم اهتمامه بما يجري، وإدراكه لأهمية اللحظة التي تمر بها الصحافة المصرية.

ولم يكتفِ محمد حسنين هيكل – بحسب رواية يحيى قلاش – بإعلان دعمه للموقف، بل أخبر الحاضرين بأنه أعدّ كلمة خصيصًا لتُلقى أمام الجمعية العمومية للصحفيين، وكلّف «قلاش» بإلقائها نيابة عنه خلال الاجتماع، وهو ما اعتبره الثاني، خطوة حملت دلالات كبيرة في ذلك التوقيت، ليس فقط بسبب المكانة الرفيعة التي كان يحتلّها «هيكل» داخل الوسط الصحفي، أو لما كان يتمتّع به من حضور وتأثير في المجال السياسي، وإنما أيضًا بسبب مضمون الرسائل التي تضمّنتها الكلمة، والظرف الذي قيلت فيه.

وشدد «قلاش» على أن كلمة «هيكل» لم تكن مجرّد تعبير عن التضامن، أو رسالة دعم معنوي للصحفيين في معركتهم، بل تجاوزت ذلك إلى منح القضية أبعادًا أوسع، تتجاوز الإطار المهني الضيق، ووصفها بأنها «لحظة فارقة، منحت المعركة بُعدًا سياسيًا ومجتمعيًا أوسع، وعبّرت عن رفض استمرار القيود المفروضة على حرية التعبير»، وهو ما أسهم في توسيع دائرة التأييد لمطالب الصحفيين، وتحويل القضية من معركة تخص أبناء المهنة وحدهم، إلى قضية عامة ترتبط بالدفاع عن الحقوق والحريات العامة، وحق المجتمع بأسره في حرية الرأي والتعبير.

ومع استمرار الأزمة وتصاعد المواجهة، تذكّر «قلاش» أن الجمعية العمومية لم تكتفِ بعقد اجتماع واحد، بل ظلّت في حالة انعقاد ومتابعة مستمرّة على مدار عام كامل، وخلال تلك الفترة، كانت الاجتماعات تُعقد بصورة دورية كلما شهدت الأزمة تطوّرًا جديدًا، في الوقت الذي واصلت فيه النقابة اتصالاتها وتحرّكاتها مع مختلف مؤسسات الدولة، بحثًا عن مخرج للأزمة.

وأشار «قلاش» إلى مشاركته بجانب عدد من زملائه، في سلسلة من اللقاءات مع كبار المسؤولين، شملت وزير الإعلام، ورئيس مجلس الشعب، ورئيس مجلس الشورى، ورئيس مجلس الوزراء، كما عقدت النقابة لقاءين مع الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ الأول جاء في بدايات الأزمة، بينما عُقد الثاني في مراحلها الأخيرة، في إطار المساعي المستمرّة، للتوصل إلى حل ينهي حالة الاحتقان بين السُلطة والجماعة الصحفية.

وفي خضم تلك التحرّكات، استحضر «قلاش» واحدة من أكثر اللحظات حساسية داخل مجلس النقابة، حين طُرحت فكرة الاستقالة الجماعية للمجلس، باعتبارها خطوة تصعيدية تهدف إلى زيادة الضغط على السُلطة، ودفعها إلى التعامل مباشرةً مع الجمعية العمومية للصحفيين؛ حيث خضع المُقترح لنقاشات موسّعة داخل المجلس، غير أن النقيب إبراهيم نافع طلب تأجيل إعلان الاستقالة إلى حين انعقاد الجمعية العمومية، وبعد تعثّر محاولات الوصول إلى تسوية أو حل للأزمة، جرى بالفعل إعلان الاستقالة خلال اجتماع للجمعية العمومية، في خطوة عكست حجم الإصرار الذي تمسّك به الصحفيون ومجلس نقابتهم لمواصلة المواجهة، وعدم التراجع عن مطالبهم حتى تحقيقها.

وبعد شهور طويلة من النضال المتواصل والضغط المستمر، بدأت ملامح الانفراجة تظهر على مسار الأزمة، مع تدخّل رئيس الوزراء كمال الجنزوري بتوجيه رئاسي؛ حيث تولّى إدارة سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي نقابة الصحفيين، بهدف معالجة الأزمة، وإزالة العقبات التي كانت تعرقل الوصول إلى تسوية.

وأشار يحيى قلاش إلى أن هذه المرحلة كانت نقطة تحوّل حقيقية؛ إذ انتهت – من وجهة نظره – إلى تحقيق هدف الجماعة الصحفية، بعد التراجع عن التعديلات المُثيرة للجدل، التي فجّرت الأزمة في بدايتها، وإصدار قانون جديد للصحافة، وهو ما اعتبره الصحفيون آنذاك انتصارًا واضحًا لإرادة الجمعية العمومية، وتماسكها في مواجهة القانون.

ولا يمكن لـ «قلاش» أن يستعيد تفاصيل تلك المعركة دون أن يتوقف عند اسم الراحل كامل زهيري، الذي يصفه بأنه كان واحدًا من أبرز المُدافعين عن حرية الصحافة خلال تلك الأزمة؛ فبحسب روايته، تفرّغ «زهيري» بالكامل لإدارة تفاصيل المواجهة، ولم يحصل على أي إجازة طوال فترة الصراع، بل ألغى ارتباطاته الخاصة كافةً، من أجل متابعة تطوّرات الملف لحظة بلحظة، والدفاع عن مطالب الجماعة الصحفية حتى اللحظات الأخيرة من الأزمة، في نموذج يعكس حجم التزامه بالمهنة وقضيتها.

وعندما يعود الكاتب الصحفي يحيى قلاش بذاكرته إلى تلك التجربة بعد مرور السنوات، فإنه لا يستحضر فقط الاجتماعات الرسمية أو الاعتصامات أو اللقاءات مع المسؤولين، بل يستعيد قبل كل شيء حالة التضامن الاستثنائية التي جمعت الصحفيين حول نقابتهم، في لحظة فارقة من تاريخها؛ فقد وقفت الجمعية العمومية خلف مجلس النقابة بشكل كامل، في مشهد غير مسبوق من التماسك، كما حرص عدد من رؤساء التحرير على حشد الصحفيين للمشاركة في الاجتماعات والاعتصامات والفعّاليات المختلفة، في حين جرت محاولات جادة لتوثيق مُجريات تلك المرحلة، كان من بينها مشاركة المخرج يوسف شاهين في تسجيل بعض الأنشطة والفعّاليات المرتبطة بالمعركة، بما أضفى على الحدث بُعدًا توثيقيًا وثقافيًا لافتًا.

ولهذا السبب، يحتل يوم 10 يونيو مكانة خاصة في ذاكرة يحيى قلاش، بوصفه أكثر من مجرّد تاريخ عابر، أو مناسبة نقابية روتينية، بل لحظة فارقة في مسار العمل الصحفي والنقابي، ويصفه قائلًا: «كان يومًا تاريخيًا، أثبتت فيه الجماعة الصحفية أن وحدتها قادرة على الدفاع عن حرية الصحافة، وأن التمسّك بالحق والعمل الجماعي، يمكن أن يغيرا مسار معركة، بدت في بدايتها شديدة الصعوبة».

واختم «قلاش» تأمله لتلك التجربة، بالتأكيد على أن مواجهة القانون رقم 93 لسنة 1995 لم تكن مجرّد أزمة عابرة في تاريخ المهنة، بل شكّلت واحدة من أبرز محطات الدفاع عن حرية الصحافة في مصر المعاصرة، بما حملته من دلالات عميقة، حول قوة التنظيم النقابي، وقُدرة الجماعة الصحفية على التوحّد في مواجهة التحديات، كما وصفها بأنها بقيت درسًا مهنيًا ونقابيًا راسخًا، لا يزال حاضرًا في وجدان أجيال متعاقبة من الصحفيين، يستلهمون منه معنى التضامن، وأهمية الدفاع عن حرية التعبير، باعتبارها جوهر المهنة، وركيزة أساسية لأي ممارسة صحفية حرة ومستقلة.

أمينة شفيق: معركة 93 كانت اختبارًا حقيقيًا لوحدة النقابة والصحفيين

رأت الكاتبة الصحفية أمينة شفيق، والتي كانت عضوًا بمجلس النقابة آنذاك، أن أزمة قانون 93 لسنة 1995، كانت واحدة من أبرز المعارك التي التفّت فيها الجماعة الصحفية حول موقف واحد، مؤكدةً أنهم في تلك اللحظة كانوا يتحدّثون «بلغة واحدة»، بعدما طال القانون جميع الصحفيين دون استثناء، وفتح الباب أمام الحبس في قضايا النشر، بما شكّل تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة وحق التعبير.

واستعادت «شفيق» خلال لقائها مع المرصد المصري للصحافة والإعلام، تفاصيل تلك المرحلة، موضحةً أنها كانت من أكثر الصحفيين حضورًا لجلسات التحقيق التي أُجريت مع الزملاء في النيابة العامة، وأنها كانت تتلقّى الاتصالات في ساعات مُبكرة من الصباح لإبلاغها بحالات استدعاء أو احتجاز، وهو ما فرض حالة من الاستنفار داخل الوسط الصحفي، ودفع الجماعة الصحفية إلى التحرّك السريع والمتواصل، لمواجهة تداعيات القانون، والتعامل مع تبعاته.

وأشارت إلى عقد جمعية عمومية طارئة عقب صدور القانون مباشرة، وهي الجمعية التي شهدت حضورًا واسعًا عكس قوة التماسك بين مجلس النقابة والجمعية العمومية، وأدّى إلى حالة من القلق داخل الحكومة، من احتمالات اتساع نطاق الاحتجاجات، موضحةً أنها شاركت في حضور عدد من التحقيقات مع صحفيين، من بينهم كرم جبر، الذي شغل منصب رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وأيضًا رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خلال السنوات الماضية، وأنها كانت حريصة على البقاء حتى انتهاء تلك التحقيقات، وعدم مغادرة أيًا منها، إلا بعد التأكد من عدم حبس الصحفي أو احتجازه، مُعتبرة أن هذا الدور كان جزءًا أساسيًا من مسؤولية النقابة في حماية أعضائها، وصون حرياتهم.

وكانت تُعقد الاجتماعات بشكل أسبوعي على مدار شهور طويلة، بالتوازي مع لقاءات متكررة مع مسؤولين في الدولة، من بينهم صفوت الشريف وزير الإعلام آنذاك، في إطار محاولات مستمرّة للوصول إلى حلول للأزمة، غير أن تلك المحاولات واجهت قدرًا من المماطلة والتعثّر.

ولفتت الكاتبة الصحفية أمينة شفيق، إلى توجيه دعوة لمجلس النقابة والنُقباء السابقين للقاء رئيس الدولة؛ حيث طالبت خلال اللقاء بإتاحة الفرصة للصحفيين لإيصال صوتهم، مؤكدة أن القضايا محل الجدل، لم تكن تتعلّق بإساءات شخصية، وإنما ارتبطت بالنشر المهني والعمل الصحفي، في إطار الدفاع عن حرية التعبير.

واختتمت بالإشارة إلى أن نقابة الصحفيين تمثّل أحد أهم أشكال تنظيم المجتمع المدني، باعتبارها كيانًا يجمع أبناء المهنة حول مصالح مُشتركة، وأن المطلب الأساسي للصحفيين ظلّ دائمًا رفض الحبس في قضايا النشر، والدفاع عن حرية الصحافة، وأن وحدة مجلس النقابة والجمعية العمومية في تلك المرحلة، عكست قدرًا كبيرًا من النضج والمسؤولية، في إدارة واحدة من أخطر الأزمات التي واجهت المهنة.

كارم محمود: معركة القانون 93 أثبتت أن قوة النقابة في وحدة جمعيتها العمومية

وفي لقائه مع المرصد المصري للصحافة والإعلام، استعاد الكاتب الصحفي كارم محمود، عضو مجلس نقابة الصحفيين آنذاك، واحدة من أكثر اللحظات سخونة في تاريخ الجماعة الصحفية المصرية، حين جرى إعداد قوائم ضمّت أسماء عدد من النواب، والشخصيات العامة، وأساتذة القانون، الذين اعتبر الصحفيون أنهم دعموا صدور القانون، وكان من بينهم فوزية عبد الستار، رئيسة لجنة الشؤون التشريعية آنذاك، وأُطلق على هذه القوائم داخل الأوساط الصحفية اسم «قوائم العار».

ومنذ البداية أدرك الصحفيون داخل الجمعية العمومية، أنهم أمام معركة طويلة مع السُلطة، لذلك وُضعت خطة للتحرّك على المدى البعيد؛ للحفاظ على زخم المواجهة، واستمرار الضغط من أجل إسقاط القانون.

ولم تقتصر المواجهة على الاجتماعات والبيانات، بل امتدت إلى سلسلة من الفعّاليات التي هدفت إلى الحفاظ على الحشد والدعم الشعبي، ومن أبرزها الاحتفالية الكُبرى التي حملت عنوان «لحرية الصحافة نغني»، والتي أشرف كارم محمود على تنظيمها بالكامل، وشارك فيها عدد من رموز الفن والثقافة، من بينهم: محمد منير، وعلي الحجار، وإيمان البحر درويش، وعبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، وإبراهيم داوود، وصلاح الشرنوبي، إلى جانب يوسف شاهين، ونور الشريف، وصلاح السعدني، وخلال تلك الاحتفالية صعد إيمان البحر درويش إلى المسرح ليغني أغنيته الشهيرة «قول يا قلم»، إلا أن التيار الكهربائي انقطع أثناء الفعّالية، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا بين الحاضرين، وأصبحت واحدة من المشاهد التي ظلّت عالقة في ذاكرة المشاركين، ليُصرّوا بعد ذلك على استكمال الحفل.


وكشف الكاتب الصحفي كارم محمود عن تفاصيل تقدّمه باقتراح استقالة مجلس النقابة بالكامل، وهو الأمر الذي حوّل القضية إلى ملف يحظى بمتابعة داخل مصر وخارجها، بينما قدّمت منظمات حقوقية عديدة دعمًا معنويًا للنقابة في معركتها، ومع استمرار الضغوط، اتفق مجلس النقابة على وضع استقالته تحت تصرّف النقيب، مع تفويضه في اتخاذ القرار المناسب بشأنها، غير أن الأحداث تسارعت بصورة لافتة؛ إذ جرى استدعاء مجلس النقابة بالكامل للقاء الرئيس بعد نحو 48 ساعة فقط من اتخاذ هذا القرار، في خطوة عكست حجم التأثير الذي أحدثته وحدة الجماعة الصحفية واستمرار تحرّكاتها، لتنتهي المعركة في نهاية المطاف بإلغاء القانون الذي أثار كل ذلك الجدل.

وفي ختام شهادته، وجّه كارم محمود رسالة إلى الجمعية العمومية للصحفيين عبر مختلف الأجيال، مؤكدًا أن قوة نقابة الصحفيين كانت وستظل مرتبطة بوحدة الصحفيين، وتماسكهم حول قضايا المهنة والحريات، فالعلاقة بين النقابة وجمعيتها العمومية هي علاقة تأثير مُتبادل؛ حيث تستمد النقابة قوتها من أعضائها، بينما تمثّل الجمعية العمومية الضمانة الأساسية لاستمرار دورها، ولهذا ظلّت النقابة بتاريخها النضالي، ومسيرتها الطويلة في الدفاع عن الحريات، تحتفظ بمكانة خاصة في التاريخ النقابي المصري، وتحوّلت العديد من معاركها ومواقفها إلى نماذج تُدرّس في العمل النقابي، والدفاع عن الحقوق والحريات.

السيد هاني: 10 يونيو لحظة فارقة تجسّدت فيها وحدة الصحفيين

وكشف الكاتب الصحفي السيد هاني، أحد المتحدّثين باسم الجمعية العمومية آنذاك، في لقائه بالمرصد المصري للصحافة والإعلام، عن تفاصيل تلك المرحلة، موضحًا أن نقابة الصحفيين تصدّت لهذا القانون منذ اللحظة الأولى رغم صعوبة الموقف والتوقيت، بعد أن صدّق عليه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في 28 مايو 1995، وتم نشره في الجريدة الرسمية في اليوم نفسه، وفي اليوم ذاته، عقد مجلس النقابة اجتماعًا، أكد خلاله رفضه الكامل للقانون، وتمسّكه بالتصدّي له، كما قرر إرسال برقية إلى الرئيس مبارك يطالبه فيها بعدم التصديق عليه.

وخلال انعقاد الجمعية العمومية الطارئة للصحفيين في 10 يونيو 1995، شارك السيد هاني بكلمة أمام الحضور، كما تقدّم بمقترح يقضي بالاحتفال بيوم 10 يونيو سنويًا، باعتباره يومًا لحرية الصحافة، وهو المقترح الذي لقي قبولًا واسعًا بين الصحفيين، ووجد صداه داخل أروقة النقاشات التي دارت في تلك اللحظة الفارقة.

وخرجت الجمعية العمومية بعدد من القرارات المهمة، من أبرزها استمرار انعقاد الجمعية العمومية بشكل دائم، إلى جانب تحديد يوم 24 يونيو يومًا للإضراب الصحفي واحتجاب الصحف عن الصدور، وفي الوقت نفسه، حرصت الجماعة الصحفية على أن تظل تحرّكاتها في إطار شرعي وقانوني كامل، عبر الوسائل النقابية المشروعة، تأكيدًا على تمسّكها بالدفاع عن حقوقها وحماية حرية المهنة، دون الخروج عن الأُطر القانونية المنظمة.

وأشار «هاني» إلى أن الجماعة الصحفية حظيت آنذاك بتضامن عدد من رؤساء الأحزاب ورموز النخبة الثقافية، حتى إن القاعة الرئيسية للنقابة لم تكن تتسع لأعداد الحاضرين، في مشهد عكس حجم الالتفاف حول القضية.

ومع استمرار الضغوط، دعا الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، مجلس نقابة الصحفيين والنقيب، وعددًا من النقباء السابقين، وأصحاب الأقلام البارزة، إلى اجتماع امتد لأكثر من ثلاث ساعات، استمع خلاله إلى مطالبهم، التي تمثّلت في إعادة القانون إلى مجلس الشعب، أو اتخاذ إجراءات لإلغائه، إلا أن الرئيس أوضح خلال اللقاء أنه لا يملك سُلطة إلغاء القانون بعد صدوره، كما أن مجلس الشعب كان في عُطلة في ذلك التوقيت، وهو ما جعل اللجوء إلى المحكمة الدستورية أحد الخيارات المطروحة آنذاك.

وفي إطار المواجهة القانونية التي خاضتها نقابة الصحفيين، كلّفت النقابة كلًا من أحمد كمال أبو المجد، وزير الإعلام والثقافة الأسبق، والفقيه القانوني محمد نور فرحات، بإعداد مذكرة قانونية تتناول أوجه التعارض بين القانون والدستور والقيم الدستورية، وفي السياق ذاته، أعد عصمت الهواري، المستشار القانوني للنقابة، مذكرة قانونية أخرى، رصدت المآخذ القانونية على التشريع من منظور قانوني تفصيلي.

وبعد هذه الخطوات، بدأت مناقشات موسّعة حول إعداد قانون جديد، وذلك بموافقة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، لتتوالى التطوّرات وصولًا إلى صدور القانون رقم 96 لسنة 1996.

وفي شهادته، أكد السيد هاني أن نقابة الصحفيين ظلّت عبر تاريخها قلعةً للحريات، ودرعًا مدافعًا عن حقوق المواطنين والمصلحة العامة، كما اضطلعت بدور رقابي بالغ الأهمية داخل المجتمع، واستشهد في هذا السياق بما كان يردده الرئيس الأسبق أنور السادات بشأن الصحافة، باعتبارها «السُلطة الرابعة»، في إشارة إلى ما تقوم به من أدوار رقابية وإصلاحية تسهم في ضبط الأداء العام وتعزيز قيم المساءلة وترسيخها.

واستعاد السيد هاني محطات أخرى من محاولات متتالية استهدفت إضعاف النقابة عبر العقود، من بينها محاولة ضم العاملين في الإذاعة والتليفزيون إلى عضويتها، خلال فترة تولّي صفوت الشريف وزارة الإعلام، وهي الفكرة التي واجهها الصحفيون بالرفض القاطع، وإلى جانب ذلك، برز مشروع قانون آخر كان يستهدف تقسيم جدول المشتغلين إلى ثلاثة جداول، فضلًا عن محاولة فرض القانون رقم 93 لسنة 1995، في سياق اعتبرته الجماعة الصحفية امتدادًا لسلسلة من الضغوط المتعاقبة على استقلال النقابة، ودورها المهني والمجتمعي.

وتبقى الجمعية العمومية التي انعقدت خلال تلك الأزمة – وفق شهادة السيد هاني – واحدة من أعظم الجمعيات العمومية في تاريخ النقابة، بعدما احتشد فيها الصحفيون بمختلف اتجاهاتهم وتياراتهم، حول موقف موحّد دفاعًا عن حرية الصحافة، واستحضر في هذا السياق العبارة الشهيرة للكاتب الصحفي مصطفى أمين: «الصحافة لا تُدفن سرًا»، في دلالة على حضور المهنة، وقُدرتها على البقاء والمواجهة مهما اشتدت الضغوط.

أحمد طه النقر: تعرّضنا لهجمة شرسة خلال الأزمة.. والمجتمع بأكمله وقف إلى جانبنا

وفي لقائه بالمرصد المصري للصحافة والإعلام، قال الكاتب الصحفي أحمد طه النقر، إن النقابة تعرّضت لهجمة شرسة خلال تلك الأزمة، وفي قلب تلك المواجهة، برزت أصوات رأت أن القانون لم يكن مجرّد تشريع عابر؛ إذ وصفه النائب فكري الجزار آنذاك، بأنه قانون صدر لحماية أشخاص بعينهم، في إشارة إلى جمال مبارك وأعوانه، بينما وقف المجتمع بأكمله إلى جانب الصحفيين، في معركتهم دفاعًا عن حرية التعبير.

ومنذ اللحظات الأولى للأزمة، انعقدت الجمعية العمومية بشكل فوري، وظلّت في حالة انعقاد مستمر حتى تم إسقاط القانون، وخلف هذا المشهد كانت هناك جهود كبيرة بذلها عدد من رموز المهنة، من بينهم: كامل زهيري، وجلال عارف، وصلاح عيسى، إلى جانب مجموعة من الصحفيين الشباب الذين التفوا حول هذه القامات، في إطار عمل مُنظّم للدفاع عن حرية الصحافة.
وأكد الكاتب الصحفي أحمد طه النقر، أن المهمة الأساسية للصحفيين خلال تلك المعركة، تمثّلت في الحشد والتواجد المستمر، ودعم مجلس النقابة في اتخاذ قراراته، إلى جانب تعزيز التواصل داخل المؤسسات الصحفية المختلفة، وتوحيد المواقف المهنية قدر الإمكان.

«في مواجهة القانون، تجاوزت الجماعة الصحفية خلافاتها الفكرية والسياسية، وقدّمت المصلحة العامة على أي اعتبار آخر؛ فاصطف الجميع خلف مجلس النقابة لخوض المعركة»، وما زالت تلك الأيام حاضرة في ذاكرة أحمد طه النقر وكأنها وقعت بالأمس، بما حملته من دروس، تؤكد أن هذه المهنة لا يصونها إلا المؤمنون بها، وبحرية الصحافة.

واختتم حديثه قائلًا: «استمرّت الجمعية العمومية في حالة انعقاد لمدة عام كامل، وخلال تلك الفترة تقدّمت بمقترح يقضي باعتبار يوم 10 يونيو يومًا للاحتفال بالصحافة المصرية، وقد حظي المقترح بموافقة الجمعية العمومية، ليصبح هذا اليوم لاحقًا عيدًا للصحفيين، وعيدًا لحرية الصحافة، وتذكارًا سنويًا لمعركة خاضتها الجماعة الصحفية دفاعًا عن مهنتها، وعن حق المجتمع في التعبير».

جمال عبدالرحيم: ثقة الصحفيين كانت كبيرة في قُدرتهم على تعديل القانون

تذكّر الكاتب الصحفي جمال عبدالرحيم عضو مجلس نقابة الصحفيين الحالي، كيف استجاب الصحفيون بصورة واسعة لدعوة الجمعية العمومية؛ حيث تركوا أعمالهم في المؤسسات الصحفية المختلفة وتوجهوا إلى مقر النقابة، في مشهد عكس حجم اللحظة، قائلًا: «حضر شباب وشيوخ المهنة، وأبناء جيل الوسط، الجميع جاء رفضًا للقانون، وتمسّكًا بحرية الصحافة».
وفي أجواء من التضامن الواسع، شارك رئيس النقابة العامة للعاملين بالطباعة والإعلام والصحافة محمد الفقي، مُعلنًا دعمه الكامل لموقف الصحفيين، في مشهد عكس حجم التأييد الذي حظيت به مطالب الجماعة الصحفية، واتساع دائرة التضامن معها.

  
واعتبر جمال عبدالرحيم في لقائه بالمرصد المصري للصحافة والإعلام، أن تلك المرحلة قدّمت نموذجًا مهمًا للتضامن النقابي؛ حيث تركت هذه التجربة أثرًا بالغًا في تشكيل وعيه النقابي والمهني، بعدما لمس خلالها حجم التكاتف والدفاع الجماعي عن النقابة وحرية العمل الصحفي.

ومن أكثر المشاهد رسوخًا في ذاكرته، لحظة وقوف النقيب إبراهيم نافع وسط الصحفيين مرددًا: «تعيش حرية النقابة»، ليردد الحضور الهتاف خلفه، في مشهد يعبّر عن وحدة الجماعة الصحفية.

وشدد على أن ثقة الصحفيين كانت كبيرة جدًا في قُدرتهم على تعديل القانون والتراجع عنه، خاصةً مع اتساع دائرة الرفض له، ومن المشاهد التي لا ينساها أيضًا مشاركة أعداد كبيرة من الصحفيين الشباب من مختلف المؤسسات الصحفية القومية، في فعّاليات الجمعية العمومية والاعتصامات المُصاحبة لها، بما عكس حجم الالتفاف حول القضية.


وأكد جمال عبدالرحيم، أن قوة النقابة تبدأ من تماسكها الداخلي، وأن وحدة الصف النقابي تظل الحِصن الأول في حماية المهنة، وصون حقوق الصحفيين، والدفاع عنها في مواجهة أي تهديد، وأن استمرارية هذا الدور يتطلّب انخراط الأجيال الجديدة في العمل النقابي بصورة فاعلة، مع إتاحة المعرفة الكاملة لهم بتاريخ النقابة، ومحطاتها المفصلية، ومعاركها الكُبرى، حتى يدركوا أن ما وصلوا إليه من مكتسبات لم يكن منحة سهلة، بل ثمرة نضال طويل، وتراكم خبرات، وتجارب خاضتها أجيال متعاقبة من الصحفيين، دفاعًا عن حرية الصحافة واستقلال النقابة.

هشام يونس: هذه الفترة تميّزت باحتضان واضح للصحفيين الشباب وإشراكهم في العمل النقابي

قال الكاتب الصحفي هشام يونس، عضو مجلس نقابة الصحفيين الحالي، إن ما جرى آنذاك كان مشهدًا عكس درجة عالية من التحام الجمعية العمومية بمجلس النقابة، في مواجهة قانون 93 وما أثاره من تداعيات.
وأشار في لقائه بالمرصد المصري للصحافة والإعلام، إلى حالة النضال التي ظلّت مستمرّة قُرابة عام كامل، كان خلالها كلما اتسع هامش الحرية، ظهرت في المقابل محاولات جديدة لتقييده عبر القوانين والتشريعات، في سياق شدّ وجذب مستمر بين النقابة والسُلطة.

ولفت إلى أن تلك المرحلة شهدت أيضًا نشر ما عُرف بالقوائم السوداء الخاصة بالنواب الذين أيّدوا القانون، إلى جانب تنظيم فعّاليات ومواقف من مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب، دعمًا لموقف الصحفيين، وتضامنًا مع مطالبهم.

وتميّزت هذه الفترة باحتضان واضح للصحفيين الشباب، وإشراكهم في العمل النقابي، بما أسهم في تعزيز تماسك الجماعة الصحفية، وأن تجربة مواجهة قانون 93 كانت من أبرز اللحظات التي شهدت توحّد الجمعية العمومية بكل أطيافها ومكوّناتها، وأن الضغط المتواصل انتهى إلى سحب القانون، في سياق نضالي طويل بين النقابة والسُلطة.

واختتم «يونس» حديثه بالتأكيد على أن حرية الصحافة في عام 1995، كانت أكثر ارتباطًا بالفعل العام والاشتباك مع قضايا المجتمع وأزماته، مشددًا على أهمية معرفة تاريخ المهنة والنقابة والحركة النقابية المصرية، باعتبار أن الجمعية العمومية كانت ولا تزال الركيزة الأساسية لحماية استقلال النقابة، وضمان استمرار دورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى