بروفايل

محمد طاهر مسار صحفي من البدايات المبكررة إلى تحقيقات الآثار

لا يصف محمد طاهر نفسه بأنه مجرد صحفي تقليدي، بل يراه نموذجًا لجيلٍ آمن بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة. بدأت رحلته من بيئة بسيطة، تشكّل فيها وعيه على قيم الصدق والاعتماد على النفس، بينما كبر اهتمامه بالصحافة بين صفحات الجرائد التي اعتاد قراءتها. اختار هذا الطريق بإرادة واضحة، ودخله دون وساطة، معتمدًا على اجتهاده، متنقلًا بين مؤسسات وتجارب متعددة، حتى انخرط في العمل على ملفات تتعلق بكشف وقائع فساد، خاصة في قطاع الآثار.
وُلد الصحفي محمد طاهر عبد المقصود أبو شعيشع في منطقة عين شمس الشرقية، داخل أسرة بسيطة شكّلت ملامحه الأولى. وكان لوالده، الذي عمل بالكلية الحربية، دورٌ في صياغة وعيه المبكر؛ إذ أورثه تقدير المؤسسة العسكرية، وغرس فيه قيم الصدق والأمانة والجلد، إلى جانب الاعتماد على النفس ومواجهة التحديات.
منذ الصغر، تشكّلت اهتماماته على ثلاثة مسارات: أن يصبح ضابطًا في الجيش، أو يعمل في الصحافة، أو يتجه إلى المجال الأكاديمي. وبين هذه المسارات، ظلت الصحافة الخيار الأكثر حضورًا. وارتبط هذا الاهتمام بمشاهد يومية، كان من بينها متابعة والده للصحف مثل “الأخبار” و”الجمهورية” و”الأهرام”. في وقتٍ كان اختلاف المحتوى بين الإصدارات يدفع إلى قراءتها جميعًا، وهو ما أسهم في تشكيل علاقته المبكرة بالقراءة، ثم بالكتابة لاحقًا.
في المرحلة الإعدادية، لم يكن مجرد قارئ، بل بدأ في كتابة محاولاته الأولى، وكان من بينها مقال بعنوان “عراقيل”، احتفظ به حتى اليوم. كان يشتري الورق والأقلام، ويجلس إلى مكتب صغير اقتناه بنفسه، مستلهمًا ما يشبه “الأمان الورقي” الذي تحدّث عنه الأديب جمال الغيطاني.
لم يكن شغفه بالمعرفة تقليديًا؛ إذ خصص جزءًا من مصروفه لزيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب وشراء الكتب، في دلالة مبكرة على انحيازه للمعرفة. ومع تفوقه الدراسي، ظل اهتمامه بالصحافة قائمًا، مدفوعًا أيضًا بمشاهد عامة، منها حضوره فعاليات في معرض الكتاب، حيث تابع تفاعل بعض الكتّاب مع قضايا سياسية، ما عزّز لديه تصورًا عن دور الصحفي في المجال العام.
ورغم تفوقه الدراسي، جاءت لحظة مفصلية خلال زلزال 1992، الذي تزامن مع ظروف اقتصادية صعبة، دفعته إلى التوقف المؤقت عن الدراسة والعمل لتأمين تكاليف الدروس، قبل أن يعود إلى الدراسة قبيل الامتحانات بفترة قصيرة، ويتمكن من اجتيازها.
عاش محمد طاهر سنوات صعبة أثّرت في وعيه مبكرًا، وكان من أوائل الطلبة، ووصل به الأمر إلى مساعدة بعض زملائه في شرح أجزاء من المقررات، وأحيانًا المشاركة في تقييمهم، وهو ما منحه ثقةً مبكرةً في قدراته. وفي موازاة ذلك، حاول التفكير في تطوير بعض مجالات دراسته، وطرح فكرةً تتعلق بطبيعة العمل الاجتماعي، قبل أن يتجه لاحقًا إلى استكمال دراساته العليا، التي لم يستمر فيها، مفضّلًا العمل الصحفي.
بدأت ملامح تجربته المهنية خلال دراسته، حين التحق بجريدة “المستقبل العربي”، حيث تعرّف على قواعد العمل الصحفي، وشارك في إعداد موضوعات نُشر بعضها باسمه، في تجربةٍ شكّلت بداية احتكاكه الفعلي بغرف الأخبار. هناك، واجه تعديلات تحريرية على بعض أعماله، في درسٍ مبكرٍ بطبيعة العمل داخل المؤسسات. لاحقًا، توسعت مشاركاته لتشمل تغطيات مرتبطة بالأحزاب وقضايا إقليمية، بالتوازي مع دراسته.
بعد التخرج، اتجه مباشرة إلى البحث عن فرصة للعمل الصحفي، دون الاعتماد على وساطة. جمع بيانات عدد من رؤساء التحرير، وبدأ في التواصل معهم، ما أتاح له مقابلات مباشرة، انتهت بحصوله على فرصة في جريدة “الرأي العام”، حيث بدأ العمل بشكل منتظم.
خلال هذه المرحلة، تنقّل بين عدد من الملفات، من بينها تغطية وزارات الأوقاف والدفاع والداخلية والأزهر، كما كتب عمودًا بعنوان “مداعبات”. واستمرت تجربته في الجريدة لعدة سنوات، شكّلت خلالها ملامح مساره المهني الأول.
ومع الوقت، أصبح القيد في نقابة الصحفيين هدفًا أساسيًا، لكنه واجه صعوبات بسبب عدم إدراج الجريدة التي يعمل بها. دفعه ذلك إلى اتخاذ إجراءات لاستخراج الأوراق المطلوبة، بدعم من عدد من الصحفيين، حتى تم إدراج الجريدة، وتمكن من القيد تحت التمرين، ثم في جدول المشتغلين بعد استيفاء الشروط، في محطةٍ مثّلت اعترافًا رسميًا بمساره المهني.
لاحقًا، تنقّل بين عدد من المؤسسات، من بينها “مصر 2000″، حيث تولى مسؤولية صفحة دينية، قبل أن يتولى موقعًا إداريًا داخل الجريدة. خلال هذه الفترة، عمل على تقديم محتوى بالعربية والإنجليزية يتناول قضايا مرتبطة بصورة الإسلام في الخارج.
في مرحلة تالية، شارك في تأسيس جريدة “الجزيرة”، وتولى رئاسة تحريرها، حيث صدرت في 16 صفحة، إلى جانب ملحق أسبوعي بعنوان “قيس وليلى”. استمرت التجربة لفترة قبل أن تتوقف لأسباب تنظيمية.
لاحقًا، انتقل إلى جريدة “السياسي المصري”، حيث تولى مسؤولية صفحة “إبداعات ثقافية”، التي شهدت نشر عدد من التحقيقات، من بينها موضوعات تناولت وقائع فساد داخل قطاع الآثار، ومنها تحقيق حول إهدار مال عام، بحسب ما نُشر في حينه، وهو ما أسهم في توسيع شبكة مصادره داخل هذا الملف.
ومع انتقاله إلى “الأخبار المسائي”، واصل العمل على ملف الآثار، حيث نشر سلسلة من التحقيقات التي تناولت قضايا تتعلق بإدارة هذا القطاع، وواجه على خلفيتها عددًا من البلاغات والإجراءات القانونية، وفق روايته، انتهى بعضها بأحكام بالبراءة.
وفي موازاة ذلك، شارك في عدد من الجهود المرتبطة بمتابعة قضايا الآثار، من بينها موضوعات تتعلق باستعادة قطع أثرية من الخارج، في سياق تغطيات صحفية وجهود مؤسسية أوسع، كما عمل لفترة مستشارًا إعلاميًا للمجلس الأعلى للآثار.
تنقّل محمد طاهر بين عدد من المؤسسات الصحفية، من بينها “المستقبل العربي”، و”الرأي العام”، و”مصر 2000″، و”آفاق عربية”، إلى جانب تجارب أخرى، منها “الأمة العربية”. وخلال هذه المسيرة، واجه تحديات مرتبطة بطبيعة العمل داخل المؤسسات الصحفية، لكنه استمر في العمل داخل المجال.
يرى أن العمل الصحفي يرتبط بالبحث عن المعلومات والتحقق منها، ويضع القراءة والتخصص ضمن الشروط الأساسية للاستمرار في المهنة، في ظل ما يشهده المجال من تحولات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى