بروفايلسلايدر رئيسي

محمد البدوي.. صحفي يفتش عن حق المريض في العلاج

لم تكن مئات الرسائل والمكالمات التي تلقاها الصحفي محمد السيد، المعروف مهنيًا باسم محمد البدوي، من مرضى الأورام وأسرهم مجرد شكاوى عابرة، فخلف كل رسالة مريض يخشى أن تتحول تكلفة الكشف الطبي إلى عبء جديد يضاف إلى رحلة علاجه، وبينما كانت الشكاوى تتزايد بشأن رسوم بمستشفى جوستاف روسي مصر، اختار البدوي متابعة التفاصيل ونقل أصوات المرضى إلى المسؤولين، لتصبح الواقعة واحدة من أبرز تجاربه في الصحافة الصحية

 

في 29 نوفمبر 2025، نشر البدوي في جريدة «النهار» شكاوى مرضى المستشفى، المعروف سابقًا باسم «هرمل»، بشأن تسعيرة جديدة للكشف الطبي، وصلت إلى 300 جنيه في بعض العيادات، وسط مخاوف من تحمل مرضى الأورام نفقات إضافية رغم حصول بعضهم على العلاج على نفقة الدولة أو من خلال التأمين الصحي، وفي اليوم التالي، أعلن وزير الصحة والسكان رفض مقترح تحصيل 150 جنيهًا لكشف الأخصائي و300 جنيه للاستشاري من هذه الفئات، خلال اجتماع عاجل مع إدارة المستشفى

 

جاء التحرك الوزاري عقب نشر الشكاوى وتناولها إعلاميًا، وإن لم تتوافر أدلة مستقلة تكفي للجزم بأن تغطية البدوي كانت السبب المباشر أو الوحيد للقرار، لكن الواقعة كشفت بالنسبة إليه أهمية ألا يكتفي الصحفي بنقل الشكوى، وأن يتابع ما يحدث لها داخل المؤسسات المسؤولة، وما إذا كانت القرارات المعلنة تنعكس بالفعل على حياة المرضى

 

لم تكن هذه التجربة بعيدة عن المسار الذي اختاره البدوي لنفسه، فمنذ دخوله الصحافة عام 2018، وهو لا يزال طالبًا في كلية الإعلام بجامعة السويس، بدأ رحلة مهنية تنقل خلالها بين مؤسسات وأقسام تحريرية مختلفة، قبل أن يصبح الملف الصحي أحد أبرز مجالات اهتمامه

 

يبلغ البدوي 27 عامًا، وتخرج في كلية الإعلام عام 2022، لكنه بدأ اكتساب خبرته قبل الحصول على شهادته الجامعية بأربع سنوات، وعمل في موقع جريدة الوفد، وجريدة الرأي العام المصري، و«بلدنا اليوم»، ثم «مصر تايمز» وجريدة «النهار»، كما خاض تجربة العمل في قسم «التوك شو» بموقع «صدى البلد»

 

أتاحت له هذه المحطات التعامل مع أنماط مختلفة من التغطية الإخبارية، قبل أن يتولى مسؤولية ملف الصحة في «النهار»، وهي التجربة التي منحته فرصة الاقتراب من قضايا تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وتضع الصحفي أمام مسؤولية تتجاوز نقل التصريحات ومتابعة المؤتمرات والبيانات الرسمية

 

لم يدخل البدوي الصحافة الصحية بخلفية طبية سابقة، لكنه اكتشف مع احتكاكه بهذا التخصص أن الأخبار الصحية لا تتعلق فقط بالمستشفيات والأطباء، وإنما بتفاصيل يومية تعيشها الأسر، من تطعيمات الأطفال وصحة الأم وحديثي الولادة، إلى علاج الأمراض المزمنة ورعاية كبار السن، مرورًا بالحالات الحرجة التي تتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا

 

ومع الوقت، اتسعت اهتماماته لتشمل تطوير المنظومة الصحية، والتأمين الصحي الشامل، والمبادرات الرئاسية للصحة العامة، والعلاج على نفقة الدولة، والرعاية الأولية وصحة الأسرة والطفل، إلى جانب خدمات الطوارئ والرعاية المركزة والحضانات وقوائم انتظار المرضى، وقضايا الولادة القيصرية والتغذية والتطعيمات

 

لكن ما يشغل البدوي في هذه الملفات لا يقتصر على الإعلان عن مشروع جديد أو افتتاح مستشفى، بل يمتد إلى محاولة فهم ما تعنيه الأرقام للمواطنين، وما إذا كانت الزيادة في الاستثمارات أو الطاقة الاستيعابية تنعكس على جودة الخدمة وسهولة الحصول عليها

 

ومن هذا المنطلق، اهتم بمتابعة مشروعات تطوير المنشآت الصحية منذ عام 2014، ورصد ما أُعلن عن تنفيذه وما لا يزال قيد الاستكمال، ومقارنة البيانات المتعلقة بالاستثمارات والمشروعات بالخدمات المقدمة للمرضى، في محاولة للانتقال من متابعة القرارات إلى قياس أثرها على أرض الواقع

 

ولم تكن الأرقام وحدها ما شكل تجربته، فقد وضعته شكاوى المرضى أمام مواقف إنسانية أكثر تعقيدًا، من بينها حالة مريض تعرض لحادث ونُقل إلى مستشفى حكومي دون وجود مرافق له، قبل أن تتواصل المستشفى مع أسرته عقب تحويله إلى مستشفى خاص، وهي تجربة لفتت انتباهه إلى الصعوبات التي قد تواجه المرضى وأسرهم خلال الانتقال بين المؤسسات الطبية، وما يرتبط بذلك من إجراءات وأعباء مالية محتملة

 

لم تكن تفاصيل هذه الحالة كافية للحكم على أسباب التحويل أو سلامة إجراءاته، لكنها فتحت أمامه بابًا لمتابعة جانب من رحلة العلاج قد يغيب عن التغطيات التقليدية، حيث لا تنتهي معاناة المريض عند وصوله إلى المستشفى، وقد تبدأ مرحلة أخرى من البحث عن مكان مناسب للعلاج أو استكمال الإجراءات المطلوبة

 

ويعتبر البدوي أن التعامل مع الحالات الحرجة، خاصة المرضى الذين يحتاجون إلى أسرة رعاية مركزة أو حضانات أو تدخلات طبية عاجلة، من أصعب الملفات التي يواجهها، لما تفرضه من سرعة في المتابعة ودقة في التحقق، إلى جانب ضرورة مراعاة الظروف النفسية التي تعيشها الأسر

 

وتزداد هذه المسؤولية عندما يتعلق الأمر بمعلومات طبية قد تؤثر على قرارات المرضى، ولذلك يحرص على الرجوع إلى الأطباء والمصادر المتخصصة والجهات الصحية الرسمية، والاستعانة بالدراسات والأبحاث العلمية الموثوقة، مع التمييز بين الآراء الطبية والمعلومات المثبتة علميًا، وعدم التعامل مع السبق الصحفي باعتباره مبررًا لنشر معلومة لم يكتمل التحقق منها

 

ويرى أن صعوبة الصحافة الصحية لا تكمن فقط في الوصول إلى المصادر أو الحصول على تصريحات المسؤولين، وإنما في فهم المعلومات الطبية وتفسير الأرقام، خاصة مع تعدد الجهات المسؤولة عن إدارة المنظومة الصحية، واختلاف طبيعة البيانات التي تصدر عنها، وهو ما يفرض على الصحفي مراجعة المعلومات ووضعها في سياقها قبل نشرها

 

وتترك التغطيات الإنسانية أثرًا خاصًا في تجربته، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال المرضى أو الأسر التي تواجه ظروفًا صعبة خلال رحلة العلاج، إذ يجد نفسه أمام معاناة لا يمكن تجاهلها، وفي الوقت نفسه يدرك ضرورة الفصل بين تعاطفه الإنساني مع أصحاب الشكاوى والتزامه المهني بالتحقق من رواياتهم والحفاظ على استقلاليته

 

ويؤكد البدوي أن وراء كل رقم يتعلق بالمرضى أو قوائم الانتظار أشخاصًا وأسرًا تحمل مخاوف وآمالًا، لكن الاقتراب من هذه القصص لا يعفي الصحفي من التدقيق أو الاستماع إلى الأطراف المختلفة، بل يضاعف مسؤوليته في تقديم معلومات صحيحة تحترم أصحابها ولا تستغل معاناتهم

 

وتبدو متابعة مستشفى جوستاف روسي مثالًا على اهتمامه باستمرار التغطية حتى عقب صدور القرارات الرسمية، ففي 24 يونيو 2026، عاد لينشر شكوى تتعلق بتحصيل 300 جنيه تحت مسمى «كشف استثنائي» من مريض يتلقى العلاج على نفقة الدولة، إلى جانب شكاوى أخرى بشأن تأخر الإجراءات العلاجية ونقص بعض الأدوية والخدمات الطبية

 

ولا تعني هذه الشكاوى بالضرورة استمرار تطبيق الرسوم التي رفضها وزير الصحة في نوفمبر 2025 بالصورة نفسها، لكنها أعادت طرح تساؤلات حول طبيعة الخدمات التي تشملها قرارات العلاج على نفقة الدولة، ومدى وضوح الإجراءات أمام المرضى، وكيفية التعامل مع الشكاوى التي تظهر عقب إعلان القرارات

 

ومن خلال هذه التجارب، يرى البدوي أن الصحافة الصحية في مصر لا تزال بحاجة إلى تعزيز دورها الرقابي، وعدم الاكتفاء بنقل البيانات عن افتتاح المستشفيات أو إطلاق المبادرات، بل متابعة جودة الخدمات الطبية وتوافر الأدوية والمستلزمات وحقوق المرضى، ومدى قدرة المواطنين على الحصول على الرعاية الصحية دون عوائق

 

ولا يقيس نجاح العمل الصحفي بعدد الأخبار المنشورة أو حجم انتشارها فقط، وإنما بقدرته على تقديم معلومات دقيقة وكشف المشكلات التي تستحق المتابعة، وإيصال شكاوى المواطنين إلى الجهات المسؤولة، مع الاستمرار في رصد ما يحدث عقب النشر

 

ويطمح خلال السنوات المقبلة إلى تقديم تحقيقات صحفية أكثر عمقًا في القطاع الصحي، ويضع ملفات جودة الخدمات الطبية وحقوق المرضى داخل المستشفيات على رأس اهتماماته، خاصة ما يتعلق بالفجوة بين الخطط والاستثمارات المعلنة ومستوى الخدمة التي يحصل عليها المواطن بالفعل

 

وبين بداياته المهنية عام 2018 وتخصصه في الصحافة الصحية، تشكلت تجربة محمد البدوي حول متابعة التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في زحام الأخبار، لكنها تحمل أهمية كبيرة لأصحابها، من مريض يبحث عن سرير رعاية مركزة إلى أسرة تنتظر قرار علاج، أو شكوى بشأن رسوم إضافية قد تحول دون الحصول على خدمة طبية، وهي تفاصيل جعلته يرى أن مسؤولية الصحفي لا تنتهي عند نشر المشكلة أو إعلان المسؤولين حلها، بل تمتد إلى متابعة ما تغير بالفعل في حياة المرضى، وما لا يزال ينتظر حلًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى