بروفايل

نبوية موسى.. معلمة وصحفية تحدت التمييز بالقلم وأسست مجلة للدفاع عن تعليم الفتيات

لم تكن نبوية موسى مجرد معلمة كرست حياتها لتعليم الفتيات، بل كانت واحدة من النساء اللاتي أدركن مبكرا أن حرمان المرأة من التعليم والعمل يبدأ من حرمانها من حقها في التعبير عن نفسها والمطالبة بمساواتها بالرجل، لذلك لم تكتف بخوض معاركها داخل المدارس ووزارة المعارف، وإنما اتجهت إلى الكتابة الصحفية، وأسست مجلة أسبوعية حملت اسم «الفتاة»، جعلت منها مساحة لمناقشة قضايا التعليم والعمل وحقوق النساء.

ومن خلال تجربتها، انتقلت نبوية موسى من فتاة اضطرت إلى البحث عن طريق سري للوصول إلى المدرسة، إلى واحدة من رائدات التعليم والصحافة النسائية في مصر، تاركة وراءها تجربة جمعت بين العمل التربوي والكتابة والنضال من أجل المساواة.

من طفلة تتعلم في المنزل إلى أول فتاة مصرية تحصل على البكالوريا

ولدت نبوية موسى محمد بدوية في 17 ديسمبر 1886، في قرية كفر الحكما بالزقازيق بمحافظة الشرقية، وكان والدها ضابطا بالجيش المصري توفي قبل ولادتها، فنشأت في كنف والدتها وشقيقها الأكبر محمد، الذي ساعدها في تعلم القراءة والكتابة داخل المنزل.

لم يكن التحاق الفتيات بالمدارس أمرا سهلا في ذلك الوقت، كما واجهت رغبتها في استكمال تعليمها اعتراضات من أسرتها، لكنها أصرت على دخول المدرسة، فالتحقت بالمدرسة السنية للبنات بالقاهرة، وحصلت على الشهادة الابتدائية عام 1903، ثم درست بقسم المعلمات، لتبدأ بعدها العمل في التدريس.

وفي أثناء عملها بمدرسة عباس الأميرية للبنات، اكتشفت أن راتبها أقل من راتب زملائها الرجال، رغم عملها في الوظيفة نفسها، وعندما اعترضت لدى وزارة المعارف، جاءها الرد بأن الرجال يحصلون على رواتب أعلى لأنهم يحملون شهادة البكالوريا، في حين لم تكن هناك مدارس ثانوية للبنات تتيح لهن الحصول على الشهادة نفسها.

لم تقبل نبوية موسى هذا التمييز، وقررت التقدم لامتحان البكالوريا، رغم عدم وجود مسار تعليمي مماثل للفتيات في ذلك الوقت، ونجحت في الامتحان عام 1907، لتصبح أول فتاة مصرية تحصل على هذه الشهادة، وهو إنجاز ساعدها على المطالبة بمساواة راتبها برواتب المعلمين الرجال.

لم يكن حصولها على البكالوريا مجرد إنجاز تعليمي، بل تحول إلى مواجهة مباشرة مع التمييز في فرص العمل والأجور، وأثبتت من خلاله أن حرمان النساء من الفرص لم يكن مرتبطا بقدراتهن، وإنما بالقيود المفروضة عليهن.

من التدريس إلى الكتابة الصحفية

لم تفصل نبوية موسى بين معركتها من أجل التعليم واهتمامها بالكتابة، فبدأت نشر مقالات صحفية تناولت قضايا تعليمية واجتماعية وأدبية، وكتبت في عدد من الصحف، من بينها «مصر الفتاة» و«الجريدة».

كما ألفت كتابا مدرسيا بعنوان «ثمرة الحياة في تعليم الفتاة»، اعتمدته وزارة المعارف للمطالعة العربية في المدارس، وهو ما عكس اهتمامها بتقديم أفكارها حول تعليم الفتيات من خلال أكثر من وسيلة، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو عبر الكتابة.

وفي عام 1909، تولت نظارة المدرسة المحمدية الابتدائية للبنات في الفيوم، لتصبح أول ناظرة مصرية لمدرسة ابتدائية، ونجحت في توسيع الإقبال على المدرسة وتشجيع الأسر على تعليم بناتها.

ومع استمرار عملها، انتقلت إلى مواقع إدارية داخل وزارة المعارف، وأصبحت أول مصرية تتولى وظيفة مفتشة للمدارس، لكن انتقادها للمناهج المخصصة للفتيات وطريقة إدارة تعليمهن تسبب في خلافات مع المسؤولين، وانتهى الأمر بإبعادها عن العمل الحكومي.

«الفتاة».. مجلة أسبوعية لمناقشة قضايا النساء

لم تتوقف نبوية موسى بعد ابتعادها عن العمل الحكومي، بل اتجهت إلى تأسيس مدارس خاصة لتعليم الفتيات، وأطلقت عليها اسم «بنات الأشراف»، وافتتحت لها فروعا في الإسكندرية والقاهرة.

وفي 20 أكتوبر 1937، أسست مطبعة ومجلة أسبوعية نسائية باسم «الفتاة»، لتفتح من خلالها مساحة صحفية لمناقشة قضايا المرأة، وتقديم رؤيتها بشأن التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة.

لم تكن المجلة مجرد مطبوعة تقدم موضوعات اجتماعية وأدبية، بل شكلت امتدادا لمواقف نبوية موسى من المساواة بين النساء والرجال، وحق الفتيات في الحصول على فرص تعليمية متكافئة، وضرورة إعداد المرأة للمشاركة في العمل والحياة الاجتماعية.

واستمرت المجلة في الصدور حتى عام 1943، لتصبح واحدة من التجارب المهمة في تاريخ الصحافة النسائية المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين.

«تاريخي بقلمي».. صحفية تكتب سيرتها بنفسها

ومن أبرز ما يميز تجربة نبوية موسى أنها لم تكتف بكتابة المقالات حول قضايا المجتمع، بل اتجهت إلى تسجيل تجربتها الشخصية، فكتبت مذكراتها التي نشرت في مجلة «الفتاة» على حلقات، قبل أن تجمع في كتاب حمل عنوان «تاريخي بقلمي».

وتكتسب هذه المذكرات أهمية خاصة لأنها تقدم شهادة كتبتها صاحبتها عن تفاصيل حياتها، منذ طفولتها ومحاولاتها تعلم القراءة والكتابة، مرورا بصعوبات الالتحاق بالمدرسة، ووصولا إلى معاركها مع المؤسسات التعليمية بسبب التمييز بين النساء والرجال.

ولم تقتصر المذكرات على سرد الأحداث الشخصية، بل تناولت قضايا أوسع تتعلق بمكانة المرأة في المجتمع، ونظرة الناس إلى تعليم الفتيات وعملهن، والصعوبات التي واجهتها النساء الراغبات في الاستقلال وإثبات قدراتهن.

ونشرت نبوية موسى مذكراتها في 91 حلقة بمجلة «الفتاة» بين عامي 1938 و1942، وهو ما يجعل تجربتها واحدة من الشهادات الذاتية المبكرة التي سجلت حياة المرأة المصرية بصوتها الخاص.

لم يقتصر نشاط نبوية موسى على الصحافة والتعليم، بل شاركت في الحركة النسوية المصرية، وكانت من العضوات المؤسِسات للاتحاد النسائي المصري عام 1923، إلى جانب هدى شعراوي وسيزا نبراوي وغيرهما من رائدات الحركة.

وفي العام نفسه، شاركت في المؤتمر الدولي للمرأة في روما، حيث تحدثت عن حقوق النساء في التعليم، وقدمت مطالب المرأة المصرية إلى محفل دولي، في خطوة عكست انتقال نشاطها من المجال المحلي إلى المشاركة في النقاشات النسوية خارج مصر.

كما أصدرت كتاب «المرأة والعمل» الذي ناقشت فيه قضايا تعليم المرأة واستقلالها الاقتصادي ومشاركتها في الحياة العملية، لتؤكد من خلال كتاباتها أن تعليم الفتيات لا ينبغي أن يكون هدفا منفصلا عن حقهن في العمل والحصول على فرص متكافئة.

واستمرت في إدارة مدارسها الخاصة، قبل أن تتوقف عن العمل الحكومي وتتفرغ بدرجة أكبر لمشروعها التعليمي، وأسهمت من خلال مدارس «بنات الأشراف» في توفير فرص تعليم للفتيات خارج نطاق المدارس الحكومية.

توفيت نبوية موسى في 30 أبريل 1951، بعد مسيرة امتدت بين التعليم والصحافة والعمل الاجتماعي، وتركت وراءها تجربة لم تقتصر على المطالبة بحق الفتيات في دخول المدارس، بل امتدت إلى الدفاع عن حق المرأة في العمل والحصول على أجر متساو، وامتلاك منبر صحفي تعبر من خلاله عن أفكارها ومطالبها.

وتظل مجلة «الفتاة» وكتاب «تاريخي بقلمي» من أبرز ما تركته في تاريخ الصحافة النسائية والكتابة الذاتية في مصر، فالأولى قدمت مساحة لمناقشة قضايا النساء، والثاني حفظ جانبا من تاريخ المرأة المصرية من خلال شهادة صاحبة التجربة نفسها.

لم تكن نبوية موسى ترى التعليم مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، بل اعتبرته طريقا لاستقلال المرأة وقدرتها على المشاركة في المجتمع، ومن خلال القلم والمدرسة، خاضت معركتها ضد التمييز، وتركت تجربة تكشف كيف يمكن للصحافة أن تتحول إلى أداة للدفاع عن الحقوق وتوثيق التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى