تدوينات يوم الصحفي المصري
تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، يُشاركنا الصحفي محمد هلوان تدوينة تعبر عن رأيه ورؤيته بشأن القضايا التي يرى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة

في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، يُشاركنا الصحفي محمد هلوان تدوينة تعبر عن رأيه ورؤيته بشأن القضايا التي يرى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة.. إليكم/ن نص التدوينة:
نقابة الصحفيين واحدة من أعرق المؤسسات المهنية في مصر، وقد لعبت على مدار تاريخها دورًا مهمًا في الدفاع عن المهنة والعاملين بها، كما ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في تشكيل الوعي العام والتأثير في المشهد الثقافي والفكري للمجتمع. ومن هذا المنطلق، يصبح من الطبيعي أن تواكب النقابة التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع المصري والعالم خلال العقود الأخيرة، ليس فقط على المستوى المهني أو الإداري، بل كذلك على مستوى المنظومة القيمية التي تحكم ممارسة العمل الصحفي.
الصحافة لم تكن يومًا مجرد عملية لنقل الأخبار أو تداول المعلومات، وإنما هي مهنة تقوم على البحث والتحليل والتفسير، وتسليط الضوء على القضايا المؤثرة في المجتمع، وكشف أسباب المشكلات وتداعياتها، وتقديمها للرأي العام في إطار من المسؤولية المهنية والوطنية. ولذلك فإن نجاح الصحفي في أداء دوره لا يرتبط فقط بمهاراته المهنية، وإنما أيضًا بمنظومة من القيم والأخلاقيات التي تضبط أداءه وتحدد علاقته بمهنته ومجتمعه وزملائه.
ومع التطورات المتسارعة التي شهدها العالم، خاصة في مجالات التكنولوجيا والاتصال والإعلام الرقمي، أصبحت العديد من الأطر القيمية التقليدية بحاجة إلى مراجعة وتطوير. فالعالم الذي تشكلت فيه كثير من القواعد المهنية والأخلاقية في منتصف القرن الماضي يختلف جذريًا عن عالم اليوم، الذي تحكمه السرعة والتدفق الهائل للمعلومات، وتتصاعد فيه تأثيرات منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي.
وقد أدى هذا التحول إلى تراجع تأثير بعض القواعد غير المكتوبة التي كانت تحكم العلاقات المهنية داخل الوسط الصحفي، وأصبح الاحتكام إلى القوانين واللوائح الرسمية أكثر حضورًا من الاعتماد على منظومة قيمية متفق عليها بين أبناء المهنة أنفسهم. ولا يمكن النظر إلى هذا الأمر باعتباره نتيجة تقصير متعمد من مجالس النقابة المتعاقبة، بقدر ما هو انعكاس طبيعي لأولويات فرضتها تحديات الواقع.
وخلال السنوات الماضية، انشغلت النقابة، شأنها شأن العديد من المؤسسات المهنية، بملفات ملحة تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين، إلى جانب القضايا المهنية المرتبطة بسوق العمل والتحولات التي طرأت على صناعة الصحافة. وبفعل هذه الضغوط، تراجع الاهتمام النسبي بمناقشة الجانب القيمي والأخلاقي للمهنة، رغم أهميته الكبيرة في الحفاظ على تماسك الجماعة الصحفية وصورة الصحفي أمام المجتمع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المنظومة القيمية الحاكمة للعمل النقابي والمهني داخل نقابة الصحفيين، من خلال صياغة ميثاق أو دستور قيمي حديث يواكب طبيعة العصر ويستجيب للتحديات الجديدة التي تواجه المهنة. ولا يُقصد بذلك استبدال القوانين واللوائح القائمة، وإنما استكمالها بإطار أخلاقي ومهني أكثر شمولًا، يحدد المبادئ الحاكمة للعلاقات بين الصحفيين بعضهم البعض، وبينهم وبين مؤسساتهم وجمهورهم.
إن صياغة مثل هذا الميثاق يجب أن تكون نتاجًا لحوار واسع يشارك فيه كبار الصحفيين وأصحاب الخبرات المتراكمة، إلى جانب الأجيال الجديدة من أبناء المهنة، حتى يعكس الواقع الحقيقي للعمل الصحفي وتحدياته الراهنة. كما يمكن الاستعانة بخبراء في مجالات القانون والأخلاقيات المهنية وعلم الاجتماع والإعلام، لضمان خروج وثيقة متوازنة وقابلة للتطبيق.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على تنظيم العلاقات المهنية داخل النقابة فحسب، بل تمتد إلى تعزيز صورة الصحفي أمام المجتمع. فوجود منظومة قيمية واضحة ومتفق عليها يمنح المهنة قدرًا أكبر من الاحترام والثقة، ويؤكد التزام أبنائها بمعايير مهنية وأخلاقية تتجاوز المصالح الفردية والخلافات الشخصية.
كما يمكن لهذا الإطار القيمي أن يسهم في الحد من النزاعات التي تنشأ داخل الوسط الصحفي، من خلال توفير مرجعية أخلاقية يُحتكم إليها قبل انتقال الخلافات إلى ساحات القضاء أو إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول أحيانًا بعض الأزمات المهنية إلى سجالات علنية تسيء إلى الأطراف كافة وإلى صورة المهنة نفسها.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن وجود ميثاق قيمي حديث قد يشكل حماية إضافية للصحفيين في مواجهة الضغوط المختلفة التي قد يتعرضون لها، سواء من مراكز النفوذ أو المصالح الاقتصادية أو محاولات توجيه المحتوى الإعلامي لخدمة أجندات محددة. فكلما كانت القواعد الأخلاقية واضحة ومعلنة ومتوافقًا عليها من أبناء المهنة، أصبح الدفاع عنها أكثر قوة وفاعلية. والأهم من ذلك أن هذا المشروع يجب أن يخرج من داخل الجماعة الصحفية نفسها، لا أن يُفرض عليها من الخارج. لأن النقابات المهنية القوية هي تلك التي تنجح في بناء منظومتها الأخلاقية بإرادة أعضائها، وتطورها باستمرار بما يتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والمهنية.
قد لا يبدو هذا الملف من القضايا الملحة بالنسبة لقطاع واسع من الصحفيين في الوقت الراهن، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والمهنية اليومية، لكنه في الحقيقة يمثل أحد الملفات الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل المهنة وصورتها العامة. فالمؤسسات لا تُبنى بالقوانين وحدها، وإنما تستند أيضًا إلى منظومات قيمية وأخلاقية تمنحها التماسك والاستمرارية.
ولعل إعادة صياغة ميثاق قيمي عصري لنقابة الصحفيين يمكن أن تكون خطوة مهمة نحو تعزيز مكانة المهنة، وتحسين العلاقات داخل الوسط الصحفي، وترسيخ صورة أكثر احترامًا وتأثيرًا للصحفي المصري، بما يليق بتاريخ النقابة ودورها في المجتمع، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.



