تدوينات يوم الصحفي المصري
تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، تُشاركنا الكاتبة الصحفية عزة مسعود، تدوينة تعبر عن رأيها ورؤيتها بشأن القضايا التي ترى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة

في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، تُشاركنا الكاتبة الصحفية عزة مسعود، تدوينة تعبر عن رأيها ورؤيتها بشأن القضايا التي ترى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة.. إليكم/ن نص التدوينة:
في كل عام، ومع حلول يوم الصحفي المصري، لا يكون السؤال عن المهنة وحدها، بل عن روحها أيضًا؛ عن تلك المسافة الشاسعة بين ما يجب أن تكون عليه الصحافة وما يُراد لها أحيانًا أن تكونه. عن الحرية التي لم تكف يومًا عن كونها الحلم الأكبر، والاختبار الأصعب، والمعركة التي لا تنتهي.
فالصحافة لا تُقاس بعدد الصفحات، ولا المشاهدات، ولا بضجيج العناوين والتريندات، وإنما بقدرتها على أن تكون صوت الناس حين يُراد لهم الصمت، وذاكرة الوطن حين تتزاحم محاولات النسيان، وعين المجتمع المفتوحة على الحقيقة مهما حاولت الأيدي المرتجفة أو المتنفذة أن تحجب الضوء.
لهذا، فإن حرية الصحافة ليست امتيازًا يُمنح، ولا منحةً تتفضل بها سلطة، بل شرط وجود للمهنة ذاتها. وهي تبدأ من إعادة صياغة السياسات التحريرية للمؤسسات الصحفية بما يجعل الجمهور وقضاياه وأحلامه ومخاوفه في قلب التغطية، لا على هامشها.
تبدأ حين تصبح معاناة الناس أولوية، وحين تتقدم الأسئلة الحقيقية على الروايات الجاهزة، وحين يُفسح المجال للحقيقة كي تتكلم بصوتها، لا بصوت من يكتبها.
غير أن ذلك كله يظل رهينًا بنظرة الدولة إلى الصحافة ودورها. فالصحافة الحقيقية ليست خصمًا للدولة، كما أنها ليست بوقًا لها. إنها التعبير الأصدق عن المجتمع، والحارس اليقظ على مصالحه، والمدافع عن مؤسسات الدولة بوصفها ملكًا للشعب، لا ملكًا للسلطة. وهي، قبل كل شيء، أداة للمعرفة وكشف الحقائق وتوثيقها وتحليلها، حتى لا تترك فراغًا تعبث فيه الشائعات، أو يتسلل عبره التزييف، أو يعتليه تجار المواقف وراكبو الموجات.
ولا يمكن لصحافة أن تستحق هذا الاسم إذا كانت عاجزة عن الاقتراب من مناطق الفساد أو مساءلة أصحاب النفوذ.
فالصحافة التي لا تكشف، ولا تراقب، ولا تطرح الأسئلة الصعبة، تفقد جوهر رسالتها شيئًا فشيئًا، حتى تتحول إلى ظل باهت لمهنة عظيمة؛ صحافة صورية، فائضة عن الحاجة، عاجزة عن حماية المجتمع أو كسب ثقته.
ومن يتأمل تاريخ الصحافة المصرية يدرك أن معركة الحرية لم تكن يومًا طارئة على هذه المهنة، بل كانت جزءًا من تكوينها العميق. فمنذ قانون المطبوعات عام 1937، مرورًا بقانون عدم المساس بالذات الملكية عام 1950، وصولًا إلى صور متعددة من التضييق والملاحقة، ظل الصراع ممتدًا بين الكلمة والقيود. تعاقبت الحكومات، وتبدلت الوجوه، وتغيرت الأدوات، لكن الرغبة في ترويض الكلمة بقيت حاضرة بأشكال مختلفة.
وفي الطريق الطويل دفعت الصحافة أثمانًا باهظة؛ نُفي رفاعة الطهطاوي، وسُجن محمد التابعي وتوفيق دياب وعباس العقاد، وتعرضت صحف للمصادرة والإغلاق، وصحفيون للملاحقة والتنكيل. كانت الوقائع تتغير، لكن الحقيقة بقيت ثابتة: كل سلطة تخشى السؤال الحر، وكل صحافة حقيقية لا تتخلى عن حقها في طرحه.
ولعل الرقم وحده يكفي للدلالة؛ أكثر من سبعة آلاف وخمسمائة تشريع صدرت بشأن الصحافة والنشر منذ عام 1914. رقم لا يعكس ثراءً تشريعيًا بقدر ما يكشف حجم الاشتباك التاريخي مع حرية التعبير. فبين النصوص والعقوبات والاستثناءات والإجراءات، ظلت الحرية تبحث عن مساحتها المستحقة، بينما ظل القانون، في كثير من الأحيان، أقرب إلى تنظيم القيود منه إلى حماية الحق.
ومع ذلك، لم تُهزم الفكرة. ففي كل مرة بدا فيها المشهد أكثر ظلمة، عادت الصحافة لتؤكد أن الحرية ليست حدثًا عابرًا، بل قيمة دائمة، وأن الكلمة التي دفعت ثمنها أجيال من الصحفيين لا يمكن أن تتنازل بسهولة عن حقها في الحياة.
لهذا، وفي يوم الصحفي المصري، لا نحتفل بمهنة فقط، بل بتاريخ طويل من المقاومة والصمود والإيمان. نحتفل بأولئك الذين كتبوا رغم الخوف، ونشروا رغم المنع، وتمسكوا بالحقيقة رغم كلفتها الباهظة. ونكرر ما قالته أجيال قبلنا، وما ستردده أجيال بعدنا: إن الحلم ما زال قائمًا. وإن الحق ما زال قائمًا. وإن الكلمة الحرة، مهما أُثقلت بالقيود، ستظل تحاول أن تلامس أجنحة الطيور المحلقة في السماء. وأن الهتاف الأقدم في قلب المهنة سيبقى حاضرًا: حرية.